
عرض كتاب أصوات تحت الشمس (STEMMEN ONDER DE ZON)، للكاتب العراقي موفق السواد
الصادر عن دار : Uitgevrij Passage , Groningen, The Netherlands, 2002
136 صفحة من الحجم
المتوسط.
مراجعة: حميد الهاشمي
لماذا نكتب الرسائل؟؟ !!
نكتب لنعيش
نكتب لنستمع لبعضنا
نكتب الرسائل لندعم بعضنا
نكتب الرسائل لنتقاسم المعاناة.
بهذه المضامين يقدم الكاتب موفق السواد كتابه - أصوات تحت الشمس (STEMMEN ONDER DE ZON)-. هذا الكتاب الذي يمكن عده علامة فارقة في الثقافة العراقية المهاجرة في هولندا، وذلك لحداثة هذه التجربة وصعوبة الخوض فيها نتيجة لقلة تجربة المثقفين العراقيين في هذا البلد بسبب قصر فترة تمركز هذه الجالية هنا من جانب، وصعوبة اللغة الهولندية وعدم شيوعها وعالميتها بالقياس إلى اللغة الإنكليزية أو الفرنسية أو غيرها من بعض اللغات الأوربية الأخرى من جانب آخر.
ولعله أول كتاب غير مترجم يصدر باللغة الهولندية لكاتب عراقي عدى بعض الدواوين الشعرية لشعراء عراقيين مقيمين هنا، نالوا نجاحات جيدة من خلال فوزهم بجوائز أدبية سواء على مستوى هولندا أو الأقاليم التي يقيمون فيها.
في الجانب الآخر تأتي أهمية الكتاب كونه يوثق بشكل ما لكيان ديموغرافي ولد فجأة في ظل ظروف قاهرة وفي بيئة جيوبوليتيكية صعبة جدا. ذلك هو مخيم الارطاوية للاجئين العراقيين والذي دام لمدة سنتين تقريبا قبل ضمه إلى مخيم رفحاء الذي عرف اكثر منه، والذين أقيما في صحراء شمال السعودية عقب انتهاء حرب تحرير الكويت وفشل انتفاضة العراقيين ضد نظام صدام عام 1991.
الكتاب عبارة عن مجموعة من الرسائل كان قد بعث بها الكاتب نفسه (موفق السواد) حينما لجا يافعا بعمر 19 سنة مع أخيه على* إلى هذا المخيم من مدينته البصرة. حيث كان يراسل أصدقاءه وأخيه علي الذين كانوا على مقربة منه، لكنهم لا يستطيعون الوصول إلى بعضهم بسبب الحراسة المشدد والقيود التي وضعت عليهم، حيث يسكنون أقفاص اسر يصفها الكاتب بأنها أشبه بأقفاص لحيوانات مفترسة.
الرسائل تشخص لجانب كبير من طبيعة العلاقة مع الحراس والإدارة السعوديين وسكان هذا المعسكر الذين عوملوا كأسرى أو سجناء لا كلاجئين ولطالما وصفوا وتحدثوا عن معاناة هذه المعاملة بعد خروجهم من هذه الأقفاص.
من بين ما تضمنته الرسائل هذه (مضمون الكتاب) هو محاولة توثق فترة سنتين تقريبا (من شهر آذار- مارس سنة 1991 لغاية نهاية سنة 1992)، حيث فترة إغلاق مخيم الارطاوية وضم ساكنيه إلى مخيم رفحاء). جوانب من صيغ احتجاج العراقيين لغرض الانصياع لبعض مطالبهم الإنسانية، من هذه الاحتجاجات الإضراب عن الطعام، وبعض المصادمات مع الحرس السعودي ورسائل الاحتجاج وعملية الاتصال التليفوني براديو (B.B.C) في لندن مثلا، التي قام بها أحد نزلاء المعسكر شارحا لهم وضعهم وطبيعة التعامل التي يعانون منها، وما لحق بهذا الشخص جراء عمله هذا. إلى صعوبات حتى تبادل الرسائل مع أخيه وأصدقائه الذين كانوا متفرقين في أقفاص متجاورة لكن يمنع عليهم الاتصال ببعضهم !!
وقد نقل الكتاب من خلال هذه الرسائل التي لم يعد لها الكاتب سلفا لان تكون كتابا، نقل طرائق ابتكرها العراقيون سكان هذه الأقفاص للسؤال عن أصدقائهم واقاربهم ومنها إرفاقها بالطائرات الورقية. أو كيف ابتكر الكاتب نفسه (موفق) طريقة عندما افرغ محتوى قطعة خيار ووضع الرسالة بداخلها ليوصلها لأخيه مع حامليها، حيث كانوا يتعرضون للتفتيش ولان معظم رسائلهم هذه تحتوي النقد وتتبادل الأخبار والتحليلات السياسية التي تزعج الحراس السعوديين فيبادرون إلى معاقبتهم جسديا أو معنويا.
كما كشفت إحدى الرسائل طريقة طريفة للكاتب نفسه عندما طلب من أخيه علي في أحد رسائله أن يتفقا على ادعاء المرض الشديد حتى ينقلا إلى المستشفى في سيارة واحدة وبهذه الطريقة يتمكن الأخوان من لقاء بعضهما.
هذه الطرافة بقدر ما عكست جانبا من المأساوية في طبيعة العلاقات الإنسانية، وخرق قوانين ومواثيق منظمات حقوق الإنسان والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة،التي يفترض أن يعامل وفقها اللاجئ، فضلا عن علاقات الدين والعروبة والجوار التي تجمع البلدين. هذه اعتبارات كان على الحرس والإدارة السعودية في هذين المعسكرين الأخذ بهما مثلما يتطلب من نزلائهما احترام أصول الضيافة.**
لقد كانت مواضيع مثل هذه التي تضمنها الكتاب مثيرة جدا لدى قراء الكتاب الهولنديين الذين قرءوا الكتاب بلغتهم، حيث نقل لهم عوالم غريبة وطريفة لم يألفوها منذ فترة بعيدة نسبيا.
من بين محتويات الكتاب (الرسائل) هي استذكار أو سرد لبعض الحوادث الإجرامية التي ارتكبها النظام البائد تجاه العراقيين عامة أو مدينة البصرة خاصة أو تجاه أصدقاء أو أقارب الكاتب.
هناك سمة عامة إلى حد ما غلبت على الكتاب (الرسائل) وهي طابع التحليلات (الشخصية) السياسية للأحداث التي جرت أو تجري وقتها في المنطقة وقد يتبادر إلى ذهن البعض أن موفق السواد يريد أن يعبر عن نبوغه المبكر في التحليل السياسي أو تبني موقفا سياسيا ما.
بقدر أهمية الكتاب المشار إليها في السطور السابقة توجد للأسف هناك بعض الهنات فيه تتمثل بعدم استخدام منهجية مناسبة لتقديم الكتاب، كما انه لم يوفق في وضع الشروحات التي اقتضى ذكرها فمرة تجدها في المتن وأخرى في الهامش، مع انه ميزها بخط اصغر وباستخدام علامة (*).
كما ولم يبين الأساس الذي تم عليه ترتيب الرسائل، فإذا كانت على أساس تسلسل تاريخ كتابتها، فان الرسائل هذه غير مختومة بتاريخ. كما أن الكاتب لم يرفق صورا لنماذج منها لتكتسب أهمية توثيق علمية وعرف متبع. فهي ليست من صيغ المذكرات أو السيرة الشخصية، ولكانت ستكتسب أهمية كبيرة لو احتوت مثل هذه.
وقد غلب على هذه الرسائل الطابع الأدبي والوجداني، وعكس دور العلاقات الاجتماعية وطبيعتها ووظيفتها في مجتمعاتنا خاصة في مثل هذه الظروف، في نفس الوقت الذي كشفت فيه بعض هذه الرسائل حالة التشظي التي تلازم بعض الفئات العراقية للوهلة الأولى وفق انتماءاتهم الفكرية أو المذهبية أو العشائرية أو الجهوية. فهذا شيوعي وذاك متدين وهذا بصري وذاك ديواني أو بغدادي أو نجفي وفقا لمحافظاتها ومدنهم وهكذا. كما تضمنت بعض القصائد أو المحاولات الشعرية التي كتبها السواد في تلك المرحلة العمرية.
ويعترف الكاتب نفسه بان هذه الرسائل كانت تعبر عن عفوية في الكتابة ولإشباع رغبة وغريزة المقاومة من اجل استمرار العيش في ظل بيئة وظرف قاسي يعدان خارج دورة الزمن لكن موفق استطاع على ما يبدو أن يقحمها في دائرة الزمن بالنسبة له ولم يجعلها تضيع هباء دون أن يحسب هذه النتيجة.
هذه الرسائل التي حملها معه بعد أن استعادها من أصدقائه حينما حصل على فرصة اللجوء السياسي إلى هولندا هو وأخيه، استطاع تهريبها معه والاحتفاظ بها إلى فترة ما يقارب التسع سنوات حيث اقتنع بفكرة نشرها في كتاب، وبعد تشجيع من أخيه علي الذي يبدو أن له دور إيجابي كبير في حياته.
كتاب أصوات تحت الشمس هو انطلاقة جيدة وولادة ميمونة لكاتب عراقي باللغة الهولندية تعطي دفقة تشجيع لمواطنيه في المهجر ليحذوا حذوه في استغلال أقصى إمكاناتهم وفرصهم المتاحة ليطرحوا نتاجاتهم الإبداعية وتجاربهم المريرة وخلفيتهم الثقافية الغنية التي يتلهف الغرب لمعرفة المزيد عنها.
الهوامش:
* علي السواد شقيق موفق السواد، هو الآخر أديب أيضا، ينشر باسم أحمد الرحال. وقد نشر باللغة الهولندية كتابا مشتركا مع مجموعة كتاب آخرين في هولندا باسم (صورة العالم)، وآخر سيصدر يتضمن مجاميع قصصية.
** لقد حاول عدد من اللاجئين العراقيين في مخيمي رفحاء وارطاوية نقل هذه الصورة بأشكال عدة منها الكتاب الذي نشره الشاعر طارق الحربي تحت عنوان (جمهورية رفحاء)، و ويب سايت على شبكة الإنترنت، ونشر مجموعة من الرسائل المتبادلة بين الشعراء الذين كانوا في المعسكر.
![]()