مجلة الجندول AL JANDOOL MAGAZINE

مجلة ثقافية عامة مستقلة شهرية العدد 1920 السنة الثالثة 2005
مجلة علوم انسانية

الرئيسية دراسات شعر نصوص آراء لقاءات نقد ادبي
 

تعريف بالمجلة

قواعد النشر

الهياة الاستشارية

لاشتراك والمراسلة

الأعداد السابقة

مواقع مماثلة


 


 

د. عباس الحسيني: خلق الكون ووجود الآلهة في أسطورة هيلوبولس

عالم سبيط النيلي: أسطورة الطوفان أم طوفان الأسطورة

د. عامر عبد زيد: الطوفان بوصفه حدثاً تاريخياً

ناجح المعموري: صراع الهامش والمركز في الأسطورة

د. كاظم نوير: الأسطورة والشكل

صلاح السعيد: الزواج المقدس

د. زهير صاحب محسن: مقدمة في الأدب السومري

جاسم عاصي: الاسطورة والفكر  

د. حسين سرمك: الإله القتيل

نصير علي الحسيني: برج بورسيبا

يوسف يوسف: التوراة المقدس

د. عاصم عبد الامير: مقاربات أسطورية في الرسم العراقي

فراس الشاروط: بين الأسطورة والصورة السينمائية

د. جاسم حميد جودة: الأسطورة في قصة القلعة

د. سلام الاوسي: الوظيفة الأسطورية في الشعرية العربية المعاصرة

خلق الكون ووجود الآلهة في أسطورة هليوبولس

د. عباس علي الحسيني

أسطورة للخلق فكانت هي الأوسـع انتشاراً بين أساطير الخلق المصرية ويبدو ان نفوذ مدينة هليوبوليس على مر تأريخها الطويل كان نفوذاً دينياً اكثر مما كان نفوذاً سياسياً(8).

 

      ان أول ما عنيت به هذه الأسطورة هو تاريخ بدء الخليقة، والنصوص الاتية سوف توضح تفاصيل مهمة عن الخلق في هليوبوليس النص الاول مآخوذ من كتاب الموتى وهو مزود بتوضيحات :

      انا آتوم عندما كنت وحيداً في نون (Nun)، انا رع (Re) في ظهوره الاول حين بدء يحكم ذلك الذي قد عمله، من هو؟ هو رع، وعندما بدء يحكم ذلك الذي قد عمله تعني بان رع ظهر اول الامر ملكاً، كواحدٍ قبل قيام شو(Shu) عندما كان على التل الازلي في هرموبوليس ... انا الإله العظيم الذي جاء للوجود بنفسهِ، من هو؟ ((الإله العظيم الذي جاء

      هليوبولس الاسم الاغريقي للمدنية المصرية القديمة (ايونو)(Ionu) عاصمة. المقاطعة الثالثة عشرة (nome)() في مصر السفلى، شمال مدينة القاهرة، وهي مركز عبادة الاله رع اله الشمس الذي ادمجت فيه الالهة آتوم (Atum) وخبرى (Khepri) (2).

     والتسمية الاغريقية تعني مدينة اله الشمس لكونها مركز عبادته وهي تسمى حالياً عين شمس او مدينة الشمس(3)، ويشار اليها في الانجيل بكلمة (اون) (On)(4).

     لقد ارتفع شأن هذه المدينة السياسي كثيراً بعد اتخاذها عاصمة للدولة الموحدة(5)، التي قامت بعد ان تمكنت مملكة الشمال من الانتصار على مملكة الجنوب والحاقها بها(6) ومع التقدم السياسي الذي شهدته البلاد والسير نحو الحكم المركزي وما رافقه من تقدم في الفكر الديني لم تعد اسر الالهة المحلية الاولى تتفق وقيام حكومة في البلاد ذات سلطان شامل، ولم تعد تكفي لتفسير نظام الكون وخلق العالم، لذا ابتدع المفكرون من رجال الدين نظريات دينية جديدة اختاروا عناصرها من الالهة الكونية، كما اضافوا في بعض الاحيان من الصفات الكونية على الإله المحلي ما كان يرفعه الى مصاف الآلهة الكونية العظيمة(7)، وكان كهنة مدينة هليوبوليس سباقين في هذا المجال اذ صاغـوا

أسطورة الخلق في هليوبولس

حورس على هيئة ملك

جاء الى الوجود بنفسه)) هو الماء nun، هو رع، هو ابو الآلهة آتوم، هو الذي خلق اسمائه، سيد التاسوع (Ennead)، من هو؟ هو رع، هو آتوم الذي خلق اسماء اجزاء جسده، هكذا جاءت الإلهه بعده الى الوجود انا آتوم في قرص الشمس ورع عندما اشرق في الأفق، انا الامس في حين اعلم غداً، اوزيرس في الأمس وفي الغد رع، في ذلك اليوم الذي اباد فيه سيد الكل الاعداء، وجعل ابنه حورس حاكما ً" (9).

      ومن دراسة هذا النص وتحليله تظهر جملة أمور في مقدمتها ان النص يبتدأ بتقديم الإله لنفسه وتحديد ماهيته وطبيعة المكان الذي كان فيه وكيفية كينونته ومن ثم صيرورته ووجوده وكيف تحول من الهيولي الى التشكيل، ومن خلال النص يمكن معرفة ان الإله آتوم كان موجوداً وحيداً وسط نون، وهو الذي جاء الى الوجود بنفسه، أي انتقل من وضع كان فيه محاطاُ بالماء الى وسط جاف، وتفسر مدرسة التحليل النفسي نظرية الميلاد المائي على انها انعكاس لذكرى كامنة في لا شعور الإنسان عن حالة الجنين في رحم ألام حيث كان محاطاً بالماء من جميع الجهات(10).

      ومن ثم يطابق النص بين الاله آتوم وبين نون وبين رع، ومن ثم يعرج على انه هو الذي خلق اسمائه او اجزاء جسمه إشارة منه الى مجموع الآلهة الأولى أي تاسوعة.

      ان النص يذكر لنا ان الاله آتوم أو رع بدء او الامر ملكاً على الأرض، وما عبارة الالال

 

((قبل قيام شو)) الا اشارة الى عملية فصل السماء عن الأرض.

      اما عبارة "انا الامس في حين اعلم غداً" فانها إشارة الى ما للشمس من تأثير على حياة بماضيه ومستقبله، اما عبارة "اوزيرس في الامس وفي الغد رع " فانها تطابق تماماً مهام كل اله فالامس يختص باله الموت والغد له الإله

المتجدد وهو رع الذي لطالما تلقب الفراعنة بلقب (ابن الإله رع)(11)

      ومن ثم يذكر ان الاله آتوم – رع قد تمكن من الشر وهزمه وجعل حورس ابنه حاكماً، وهنا نجد ما يطابق هذا اذ ان الملـوك طالما هم في الحياة هم في ذمة الاله حورس وما ان يموتوا حتى ينتقلون الى ذمة الاله اوزيروس.

      ان اسم اله آتوم يعني كل شيء، كما يعني لا شيء، وعلى الرغم من ان ظاهر هذا القول محض تناقض الا ان الحقيقة خلاف هذا،

الآلهة حتحور

فالمعنى (ما هو تام، منتهٍ، كامل) وفي كل هذه الالفاظ ايجاب ونفي، اذ ان كلمة (النهاية) في ختام اي كتاب تعني (هذا كل ما يوجد وليس من مزيد)، وعلى مثل هذا المعنى يدل اسم الاله آتوم فهو يعني احتواء الكل كما يعني الخلو، وهو اصل الكل(12).

      اما نصوص الاهرامات فتقدم لنا صورة اخرى عن خلق الإله آتوم للكون، ففي نص يعود الى الملك نفيركارع (ببي الثاني)(13) (2278 ق.م - 2184 ق.م) وجد منقوش داخل هرمه نقرأ:-

      "يا ايها الإله آتوم خبرى، انت قائم على التل الازلي، انت نشأة كالطائر المقدس على حجر الـ(بن بن) في هليوبوليس، انت بصقت ما كان شو (Shu) وتفـلت مـا كـان

تفنوت (Tefnut)، انت وضعت ذراعيك حولهم مثـل ذراعـي الكا (Ka)، لان (كا) ئك (الكا) ال تفنوت (Tefnut)، انت وضعت ذراعيك حولهم مثل ذراعي الكا (Ka)، لان (كا) ئك (الكا العائدة لك) صارت فيهم، يا ايها التاسوع (Ennead) العظيم في هليوبوليس آتوم شو (Shu) وتفنوت (Tefnut)، جب (Geb) ونوت (Nut)، اوزيرس (Osiris) وايزيس (Isis) وسيث (Seth) ونفثيس (Nafthes)، الذين انجبهم آتوم، هم يملئون قلبه فرحاً بعد انجابهم، هم اسمائه واجزائه..."(14).

تحليل النص الآنف الذكر يظهر ان الإله آتوم ت

طوبق أو ادمج مع الإله خبري (Khepri)(15) الذي اصبح فيما بعد متساوياً مع الإله رع. ثم يذكر النص المكان الذي وقف عليه الإله بعد ان خلق نفسه وهو التل الازلي، وقد تصور المصريون القدماء مكان الخلق على هيأة تل أو رابية سمي بأسم (تل الخليقة) أو (رابية الخليقة) ويرجح الاستاذ طه باقر ان هذا التصور تولد بفعل اثر البيئة الجغرافية فيقول: ((ولا يستبعد ان يكون اصل هذا التصور من ظاهرة فيضان النيل وانحسار المياه بعد الفيضان، حيث ان اول ما يظهر للوجود الروابي الترابية وهي حاملة اولى بشائر الحياة من حياة الخضار والنبات، وفكرة منشأ الحياة مـن التراب والطين فكـرة

شائعة بين الامم، اما كيفية ظهور الحياة فوق التل الاولي فقد راى المصريون ان اول ما ظـهر عليـه في الوجود (الإله الخالق، وهـو

(رع- آتوم) ومن هنا نشأ تقديس المواضع المرتفعه))(16)، ويشبًه النص الإله الخالق

وهناك نص آخر اشد تشبيها بالبشر، يجعل ظهور شو وتفنوت نتيجة لاستمناء آتوم، وفي هذا حل لمشكلة الانجاب من اله واحد لازوجة له(23)، وفي هذه الحالة مثلت اليد العنصر الأنثوي وقد مُثل الإله آتوم ويده في العصور اللاحقة على التوابيت بوصفهما مقدسان(24)، وبعد ذلك صار لقب (يد الإله) لقباً خاصاً بالزوجة الملكية التي تنجب من يرث العرش(25)، وبهذا يكون شكل تاسوع هليوبوليس

هذه الصورة:

اله الشمس آتوم أو رع أو خبري

      وفي مقدمة نص كتابي مكرس لاله الشمس رع يذكر لنا هذا الإله وبلسانه كيفية الخلق ومراحله، فبعد ان يقدم الإله نفسه بوصفه سيد الكل، وانه جاء الى الوجود بذاته ويذكر لنا صورته الثانية والمتمثلة بالاله خبري (شمس الصباح) ثم يذكر لنا ان مجيئه للوجود يعني مجيء الوجود للوجود من اللاوجود وبعده جاءت كل الموجودات، ثم يذكر ان العديد من الموجودات أوجدها بفمه، ويشير النص الى ان وجود هذا الإله سابق لوجود السماء والارض وقبل كل المخلوقات، وهو الذي شكل هذه لوجود

بظهوره الأول بالطائر الازلي وهي إشارة الى طائر الفونكس (Phoenix) الـ (بنو) (Bennu) الذي ينظر اليه على انه روح الإله الخالق(17).

      ومن بعد ذلك ينتقل النص ليبين لنا كيفية خلق الإله آتوم لاول زوج من الإله والذي تم بطريقة القذف العنيف لاول زوج، ولعله كان انفجاراً مثل العطسة لان (شو) هو اله الهواء و(تفنوت) الهة الرطوبة. ثم يذكر لنا النص ان الإله آتوم احاط الالهين بذراعيه أو انه امدهما بحمايتهما وصار بعض من جوهره فيهم(18).

      بعدها يخاطب النص التاسوع ويعدد اسمائهم، ويمكن تقسيم هذا التاسوع الى اربعة أجيال الأول هو آتوم الإله الخالق والثاني هو شو وتفنوت الهي الهواء والرطوبة، اذ ان الاسمين اشتقا من كلمتين قديمتين بمعنى البصق الأولى (اشش) والثانية (تف)(19)، اما الجيل الثالث فيتمثل بـ(جب) و(نوت) الهي الأرض والسماء(20)، والجيل الرابع يتمثل بزوجين من الآلهه هم الإله اوزيرس والآلهة ايزيس والآلهه سيث والآلهة نفثيس(21).

      ويعد هذا التاسوع كياناً الهياً واحداً وقد اشتق منه نظرية كونية تصور الكون على هيأة ثالوث تكون من شـو وهو واقف سانداً بيديـه 

الجسد الممدود لالهة السماء نوت بينما يرقد الآله جب عند قدميه(22)

      الاشياء في المياه الازلية (نون)، قبل ان يجد مكاناً فيها يقف عليه، ويذكر النص انه قام بعد ذلك بايجاد شو وتفنوت من ذاته ودون انثى... ومن ثم يذكر لنا انه بعد ان كان وحيداً صار هناك ثلاثة فضلاً عنه وهم (نوت، شو، وتفنوت) ومن ثم صار الكون باسره.(26) مما سبق نخلص الى نتيجة هي ان خلق الكون وفق منظور لاهوتي هليوبوليس كان على النحو الآتي، ان الإله اتوم الذي ادمج مع خبري ورع أوجد نفسه بنفسه في

عالم (نون) التي تمثل المياه الازلية، ومن ثم اوجد له مكان يقف عليه في وسط هذا العالم وسمي بحجر (بن بن) ودعي كذلك بـ (التل الازلي) أو (رابية الخلق) وقد اوجد بعد ذلك وبمفرده ودون انثى الهين هما شو وتفنوت وطريقة خلقهما لم تكن واحدة في كل الأساطير التي عالجت هذا الموضوع فمره عن طريق البصق واخرى عن طريق تحديد اسماء اعضاءه ومن ثم فصلها ولكن لم نعرف الطريقة التي حصلت بها، وثالثة عن طريق الاستمناء وفيها تمثل اليد العنصر الأنثوي.

الهوامش والمراجع : -

(1)* نومي أو نوموس: هي التسمية الاغريقية للوحدات الادارية او الدويلات او الاقاليم التي كانت تتألف منها مصر قبل قيام الاسرة الاولى وتأسيس الدولة الموحدة على يد مينا او نعرمر ويبدو ان عددها كان من الاثنين والاربعين وحدة لكل واحدة منها كيانها الخاص من حيث الديانة والاله والرمز الديني والسياسي. ينظر حول ذلك: سليمان، عامر و احمد مالك الفتيان، محاضرات في التاريخ القديم. موجز تاريخ العراق ومصر وسوريا وبلاد اليونان والرومان القديم، (الموصل، 1978)، ص 252.

M.Brodrick, Concise dicionarEpArcaeolo (lonfdon,1945 )P.66 (3)

(4) يظهر ان بعض عبدة اوزيرس وحورس قد انتقلوا الى الجنوب حاملين معهم اسم محل عبادتهم وهذا يعلل وجود مدينتين باسم عين شمس واحدة في الشمال وهي موضوع الحديث واخرى في الجنوب عند ارمنت. وكذلك: الاحمد سامي سعيد، وجمال احمد رشيد، تاريخ الشرق القديم (بغداد 1986)، ص38.

(5) الحميري، خالد عبد الملك نعمان، الفكر الديني لبلاد وادي النيل منذ عصر التاسيس وحتى 332 ق.م اطروحة دكتوراه غير منشورة ، جامعة بغداد ص68

(6) يذهب الاستاذ احمد مالك الفتيان في القسم الثاني من كتاب محاضرات في التاريخ القديم، ص252 الى (ان تقاليد كل من المملكتين (مملكة الشمال ومملكة الجنوب) يشبه ماساد من تقاليد في المملكة ال في اللاخرى الى حد كبير وفي ذلك قرينة واضحة الى انهما خضعتا معا يوم ما الى نظام موحد... ان هذه المظاهر المتعددة المتشابهة في الشمال والجنوب لايمكن الا ان تكون صدى واثر لحكومة موحدة).

(7)الاحمد ، سامي سعيد وجمال رشيد احمد، المصدر السابق  ، ص 37.

(8) رزقانة، ابراهيم احمد واخرون، حضارة مصر والشرق القديم ، القاهرة ، ، ص 90.

(9) الموسوعة الاثرية العالمية، (القاهرة ، 1977) ، ص 725. وهنا يمكن ملاحظة تشابه كبير بين ما لهذه المدينة من مكانة دينية فاقت ما لها من مكانة سياسية في الحضارة المصرية القديمة وما لمدينة نفر من مكانة دينية في الحضارة العراقية القديمة.

(10) Budge, W. , B D, pp.xcviii-xcix. And also:

-Wilson, J., "Egyptian Texts" , in ANET, p. 3.

(11) السواح، فراس مغامرة العقل الاولى ، ص ص 30-31.

(12) ولسون، جون، الحضارة المصرية ، ترجمة احمد فخري .(القاهرة ،1955 ، ص163.

(13) – Mysliwiee ,K, “Atum ” in AEOE Vol 1 , (2001) , pp.158 – 159 .

_ Kakosy , L ., “ Atum ” in LA Vol 1 ,(1975) , p.550 .

(14) نفيركارع: احد اشهر ملوك الاسرة السادسة، تسنم عرش مصر بعد وفاة اخية (مري ان. رع) وهو في السادسة من عمره فحكم لمدة اربع وتسعين عاماً وهي اطول مدة حكم حكمها ملك مصري، ينظر: زايد، عبد الحميد ، مصر الخالدة، ص ص 256-257

(15) Wilson , J., Op. cit, p.4.

(16) خبري (Khepri): احد وجوه الشمس واسمه يعني (الذي جاء الى الوجود بذاته) وهو من اقدم الآلهة المصرية، ادمج مع آتوم وكذلك مع رع، وهو يمثل الشمس المشرقة فهو الذي بزغ من نون بهيأة جعل كبير، وهو جاء للوجود بذاته، وظهر دون تناسل وهو يجدد نفسه يومياً فهو اله التحولات التي تجريها الحياة . الإله خبري يظهر عادة في الرسومات والمنحوتات المصرية برأس جعل اذ يعتقد المصريون القدماء ان الإله خبري يدحرج الكرة الشمسية عبر السماء مثلما يدحرج الجعل كرة الروث امامه. ينظر حول ذلك: لوركر ، مانفريد، معجم المعبودات والرموز في مصر القديمة ترجمة صلاح الدين رمضان ( القاهرة 2000،ص125.

- Kakosy , L ., Op. cit , p . 550 .

-Watterson, B., THE C CUTTUR OT ANCENT EGYPT (CHICAGO ,1959 )52J3 PP

- CDEA, p.84.

وكذلك ينظر الشكل رقم ( 3 )

(17) باقر، طه، مقدمة في تاريخ الحضرات القديمة الى ان للمعابد العالية (الزقورات) اهمية كبرى عند العراقيين القدماء وقد قيل فيها اراء عدة ويرجح ان اصلها هو من قبيل التصاق الانسان بالمكان الذي يعيش فيه، فحينما يريد ان يبني بناءاً جديداً فانه يعمد الى بناءٍ فوق الاسس القديمة وبذلك تنشأ ابنية مرتفعة وهذا ينطبق تماماً على الابنية الدينية. ينظر حول ذلك:- حنون، نائل، "المعابد العالية في الحضارة العراقية القديمة" بحث القي في الندوة العالمية للاثار، 1999.

(18) إبراهيم، نجيب ميخائيل، مصر والشرق القديم ص202

( (19 فرانكفورت ، هنري، واخرون، ماقبل الفلسفة ، ص69,

(20) ارمان، ادولف، ديانةمصرالقديمة ، ترجمة عبد المعنم ابوبكر محمد انور شكري ،(القاهرة ،1950)ص137.

(21) ان تصور السماء والارض بحالة اتحاد هي صورة مألوفة في معظم أساطير الشرق القديم ففي الأساطير العراقية القديمة نجد ان الإله انليل اله الهواء يقوم بفصل السماء عن الأرض ويأخذ مكاناً له بينهما وكذلك يقوم الإله مردوخ بذات الفعل، وعلى الرغم من الاتفاق بين كل الأساطير القديمة حول اختلاف الجنس بين السماء والأرض الا ان المصريين يخالفون البقية في جعل السماء الهة مؤنثة هي نوت والارض اله مذكر هو جب ، في حين ان العراقيين القدماء يجعلون السماء اله مذكر وهو (آنو) والارض الهه مؤنث وهي (كي) .

ينظر حول ذلك: زايد، عبد الحميد، من أساطير الشرق القديم، ص ص 177-182.

HOOK,S,H, Op. cit, pp.38f

F Wilson , J., Op. cit, p.3.

(22) ينظر الشكل الرقم (1).

(23) فرانكفورت، هنري، واخرون، المصدر السابق، ص 69. وكذلك ينظر: زايد، عبد الحميد، من أساطير الشرق الادنى القديم ، ص181.

(24) Brandon, S., Creation Legends of the Ancient Near East, (London,1963), pp. 79f.

(25) Ibid, p.82.

(26) Morenz, S.160.3.EGYPTIAN RELILION, (ITHACA,1992),PP.160.3.

أسطورة الطوفان أم طوفان الأسطورة

(قراءة جديدة في اللوح الحادي عشر)  

    عالم سبيط النيلي

ينطوي التفسير الجديد لسبب الطوفان على ربطة بواقعة طبيعية ذات صلة بالقوى التي تتحكم بالمياه الجوفية ومياه الأمطار ومناسيبها.

      ويتركز الافتراض على أن السبب الرئيس للطوفان من الناحية الطبيعية هو حصول ثورة لبركان عظيم في المنطقة.

      ولكن قبل ذلك يتوجب علينا تصحيح المفاهيم الخاطئة التي جمد عليها الباحثون في الدين وفى المؤسسة الثقافية والتي تتنافى مع الدين ومع العلم الذي التزمت به المؤسسات ظاهريا.

      فالخطا الذي يرتكبة الباحثون في مجال الدين شبيه إلى حد كبير بالخطأ الذي يرتكبة علماء الطبيعة. المجموعة الاولى تعتقد غالبا أن أنواع العذاب الالهى الذي ذكرتة الكتب المقدسة يستلزم عدم البحث في العلل الطبيعية أو ضرورة تجاهلها إذ لا معنى له عندهم سوى أن هناك يدا خفية هي يد لله التي فعلت الظاهرة أوأنزلت العذاب .

      بينما تعتقد المجموعة الثانية نفس المسالة باختلاف فى الترتيب فقط :

فالبحث العلمى المجرد يوجب على اعتقادهم استبعاد اليد الالهية.

      ومن هنا تصبح حادثة الطوفان قد وقعت بين فئتين لا يتصف منهجهما بالصفة العلمية كما سنلاحظ قريبا.

      أن النص الديني يحتاج إلى مراجعة من قبل جميع الإطراف بعد أجراء تصحيح للمفاهيم المتعلقة بفلسفة الدين نفسة ففي اعتقادي ان الدين لم يكتشف الى هذه للحظة لا من قبل العاملين فى هذا المجال ولا من قبل خصومهم ادعياء الثقافة العلمية .. فادعياء الدين لم يقدمو لنا دينا علميا وادعياء الثقافة العلمية لم يقدمو لنا تفسيرا ثقافيا وعلميا للدين .. والحقيقة الوحيدة الصحيحة هنا هى قول صاحب رسالة الدين نفسة اعنى النبي (ص) حينما يقول :

      ((ولد هذا الدين غربيا ويبقى غريبا او [ ويعود عربيا وفى نـص اخر] فطوبى للغرباء) 

      اذن فهو يقول طوبى فقط لاولئك الغرباء والذين يبقون غرباء فى مجتمعاتهم وبالتاكيد ان هولاء اعداد قليلة جدا تعيش غربة الثقافة فى الدين وغربة الدين في عالم الثقافة فى آن واحد وبالتالى فهى قطعا ليست من رجال الدين ولا من رجال الثقافة وهل تحسب ان الجنة لغير هولاء؟ بلى انها لهولاء المعدودين فقط فان طوبى وهو اسم للجنة لهولاء .. لاننا نعلم ان النص القرانى اشار الى ان اهل الجنة اقلية جدا قليلة ( ثلة من الاولين وثلة من الاخرين ) 140/56/ اما اهل النار فهم امم كاملة (( كلما دخلت امة لعنت اختها ))-38/7.

 

 

      فالنص الدينى يكفر اولئك الذين ينكرون ارتباط الظواهر بعلتها النهائية من فوق التى تبناها اهل الثقافة مثلما يكفر اولئك الذين يتنكرون لارتباطها بعللها الطبيعية من الاسفل التى تبناها اهل الاديان، لان الدين فى مضمونة الحقيقى عبارة عن توضيح للعلل وعلاقاتها بعضها ببعض.

      فمن الاعلى ثمة سلسلة من العلل لا يمكن ان تتناهى ومعرفتها مفتوحة بلا حدود ومن الاسفل حيث ترتبط بالانسان فانها علل معدودة ومحدودة بحسب الظاهرة وهى تشيرالى مسؤولية الانسان عن النظام الطبيعى ومجرياتة.

      ان انكار هذة العلل من جهة الانسان عند رجال الدين هوانكار للترابط الغائي بين خلق العالم وخلق الانسان . وانكار ارتباطها العلوى لا يعنى بالنتيجة الا الشيء نفسة.

رموز الاله ادد

فهل تحتاج تلك المعادلة الى ادلة من النص الديى والنص الكونى المفتوح؟ ان الادلة كثيرة لا حصرلها وقريبة جدا و حينما يسمع المرء اخبار عن هلاك الامم كا لذى يذكره القران يذهب باله دوما الى تصور مغاير لما يريد ابرازة النص الدينى فهو يظن ان تلك الاقوام هلكت من غير علل طبيعية.

      لم يحدث ان قام احد فى البحث الديني بدراسة للربط بين سلوك الانسان ونوع العذاب الذى وقع على الامم لاكتشاف الرباط السببى فى علاقة الانسان بالطبيعه مثلما تجاهلها اهل الثقافه وهم يدرسون حركة التاريخ ويكتشفون غوامضها .

ليس اهلاك عاد بالريح العاتية اختيارعشوائيا اعجب جبريل ان يفعله بينما اعجبة ان يهلك قوم نوح بالطوفان وقوم لوط بالحجارة.

لا ندرك العلاقة العلوية لهذ الاختبارولعلنا ندركها يوما ما ولكن من لمؤكد اننا لن ندركها قط ونحن ننكر ارتباطنا بها من الاسفل .

      واذا نظرنا الى الدين نظرة مجردة عن اى حكم سابق فلن نجدة فى الواقع سوى نص يوضح بشكل معمق علاقات الاشياء بعضها ببعض.

      انه نص يوضح العلل لاغير :

اذا فعلت كذا وقع كذا واذا فعلت كذا اصابك كذا… واذا لم تفعل كذا فانتظر وقوع كذا ..اذا فعلتم كذا انفتحت ابواب جهنم .. واذ فعلتم كذا انفتحت ابواب الجنة وبعد ذلك فانتم وما تشاء ون ان تفعلو : ليس ثمة اكراه على فعل شيء دون شيء اخر لان الاصل فى خلق الانسان انه خلق ليختار وان لله لا يفعل شياضد خطتة الاولى فلو شاء ان يجعلة مكرها لجعلة مكرها منذ خلقة ولما منحه قدرة على الاختيار ولذلك اكد على تلك الحرية فليعمل الانسان ما يشاء بيد ان رسالة الدين تخبرة عما ينتج عن كل اختيارمن نتائج :

((اعملو ما شتم))4/41

((فاعبدوما شتم من دونه))15/39

حتى صاحب الرسالة نفسه ليس عليه من واجب سوى ابلاغ هذة المعلومات، فلا يكرة احدا على شيء مطلقا بل واجبه التوضيح لا غير، التوضيح الذى لا لبس فيه.(( افانت تكرة الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ )) 99/ 10

((فهل على الرسل الا البلاغ المبين)) 35/ 16

انه اذن بلاغ ومبين واضح لا لبس فيه ((انما على الرسول البلاغ المبين ))92/5

((وما علينا الا البلاغ المبين)) 17/ 36

((فان تولو فانما عليك البلاغ المبين))82/16

((فانما عليك البلاغ)) 40/ 13

والرسول نفسة لا يختار بدلا عنهم ولا يكون وكيلا عنهم ولا حفيظا على الناس

((فان اعرضو فما ارسلناك عليهم حفيظا ان عليك الا البلاغ)) 48/42 

      واذا كذبوة فهل يجبرهم على تصديقة هذا محال لان التكذيب والتصديق لا يمكن ان يحدث بالاكراه اصلا فا لمرء قد يصدق وقد يكذب بالشيء بلسانه دون قلبه، وغاية الدين اصلا القضاء على هذة الازدواجية والنفاق كى يتمكن كل امرىء من اظهار واعلان ما يعتقده فالافكار الخفية غير المعلنة ليست سوى امراض نفيسه :

((وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل)) 960/6

      فليكذبو به فهم وما يشاءون لانه قال لهم ( اعملوا ما شئتم ).. والاعتقاد اولى بالحرية من العمل ..لان من ضل فانما يضل على نفسة ومن اهتدى اهتدى لنفسة وهذا لا يصح مطلقا الا حينما يكون ارتباط الانسان بالنظام الطبيعي محتوما وغائيا ومخططا له سلفا (( ومن ضل فانما يضل عليها وما انت عليهم بوكيل )) 41/ 39((وما ارسلناك عليهم وكيلا)) 54/ 47 فلماذا جرد سيفة وقاتل اذن ذلك لانهم جردو سيوفهم ليمنعوه من الكلام والابلاغ . وهو يقول لهم ((الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) 29/ 18.

      لم يكتفوا فى ان يفعلوا ما يشاءون ويكفروا 

ويكفروا كما يشاءون ! بل ارادوا ان يجبروا الخلق كلهم ليكفروا ويستحوذوا على مشيئة الاخرين ويصادروا حريتهم وتكون الساحة لهم وحدهم هم يريدون ان يكونوا على الناس وكلاء واحفاظا .. اما الرسول فهو يريد ان تكون الساحة مشتركة فليبلغوا فى الكفر كما يبلغ هو بالايمان وليختار الناس ما شاءوا، ولذلك فالرسول هو الوحيد من خلق لله قاتل دفاعا عن الحرية مجردة عن كل هدف اخر اما الذين تقاتلوا فيما بعد او قاتلوا فلا يمكننا الدفاع عنهم لانهم فعلو ذلك لهدف هو عكس هدفه تماما – كان هدفهم السلطان والحكم ليكونوا وكلاء على الناس وهذا يمثل اختيارهم الذاتى لا اختيار السماء ولا علاقة له بالرسالة ومضمونها مطلقا الم يحدث بعده مباشرة بل قبل دفن جثتة الطاهرة ان جردوا السيوف وطلبوا البيعة من الناس فمن لم يبايع عرض عنقة للسيف ؟ واستمر هذا المشهد الى هذا اليوم فلا يمكن استثناء احد الا ان يكون قد قاتل الذين يريدون مصادرة الحرية قتالا مجردا عن اى هدف آخر ولكن ما اقل هولاء بل ما اندر ما نعثر عليهم فى طيات التاريخ .

      لقد انعكست جراء ذلك علاقة الانسان بالاشياء فاهل الاديان يزعمون ان النظام الطبيعى هو الذى يؤثر فى الانسان ، بينما حقيقة النص الديني تظهر العكس.

      فالانسان هو الذي يوثر في النظام الطبيعى سلبا وايجابا وهو الذى يمكنه الانتفاع منة او تحويله الى مصدر للانتقام منه ولقد اكد جميع الرسل على العلاقة بين السلوك والنظام الطبيعى ولكن لله يتدخل فى كل آن لهيمنتة المطلقة على الموجودات فى الابقاء على النظام الطبيعى من مساوىء ما يفعله الانسان حلما بالخلق واناة معهم ورحمة بهم كى يصل بهم الى الغاية النهائية وهى اكتشافهم للعلاقة بين خلقة وكلامه باعتبارهما نظاما واحدا لا يتجزأ.

      فحينما يبلغ الحال الى (الحد الحرج) الذى لا يمكن فيه تغيير هذا النظام تقــع الظواهر 

المشار اليها فى القران عن اهلاك الامم وفق قوانين صارمة . لقد جاء الملائكة (الرسل) الى ابراهيم (ع) بالبشرى تمهيدا لاخبارة بنبأ هلاك قوم (لوط) المرتقب.

      لقد كان ابراهيم حليما يعرف مشيئة لله وقوانينة فى الخلق الى حد ان لله وصفه بهذة الصفة فى هذا الموضع بالذات – فقد جادل الملائكة جدالا طويلا و هو يحاول تاجيل العذاب ويعرض الصور المحتملة لامكانية التاجيل.

      لكن الملائكة اجابوه في النهاية قائلين :

      ((يا ابراهيم اعرض عن هذا انه قد جاء امر ربك وانهم آتيهم عذاب غير مردود)) 76/11هل تلك كلمات مجردة ينقلها لنا القرآن ؟ أم ان (غير مردود) صفة للعذاب كانت مرتبطة بقانون الكون لا يمكن خرقها الى ابعد من تلك اللحظة؟ بالطبع والا فما كانت هذه العبارة لتثنيه عن عزمه في تأجيل العذاب .لقد كان ابراهيم يومئذ هو الفرد الوحيد في العالم الذي يعيش غربته ((أن ابراهيم كان امة ))120/16

      وكان لابد من اخباره بتفاصيل هذا الامر (أمر ربك) وكيفية مجيئه وفق تلك السنن

بحيث ان ألتأجيل بلغ الحد الحرج ولا يمكن خرق تلك السنن الى ازيد من ذلك.

      فأمرالله ليس كامر ملك من الملوك في الارض يعجبه ان يقتل الفلانيين بكذا قتلة ويهلك الاخرين بكذا هلاك، ان امر الله مرتبط باختيار الانسان نفسه ،فالامم الهالكة اختارت وقت هلاكها وطريقته بهذه السنن اختيارا اصبحت نتيجته محتومة ومن هنا اكد القرآن دوما بعد هلاك الاقوام نسبة الهلاك اليهم . والاختيار لهم :

((وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون )) 9/29

((فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون))9/30

((ان لله لا يظلم الناس شيا ولكن الناس انفسهم يظلمون))44/10

((وما ظلمهم لله ولكن كانوا انفسهم اا 

 

يظلمون ))33/16 ((وما ظلمونا ولكن كانو انفسهم يظلمون))160 / 7 فلاحظ موضع(باء الواسطة فى النص الذى يفسر سبب الهلاك :

(( فارسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون))162/ 7

      فالرجز جاء بواسطة الباء والباء دخلت على كانوا يظلمون وظلمهم هو وحده الذى جاء برجز السماء .

      ولا يمكننا التوسع هنا فقد اوضحنا الكثير من تلك القواعد والسنن فى مؤلفات اخرى يمكن مراجعتها.

      ومن جهة اخرى فان التاثير الايجابى فى الطبيعة هو من فعل الانسان ايضا فقد جرى على يد هولاء المبلغين بهذة القوانين من الرسل تغيير وتحكم فى الطبيعة معلوم وهو ما سمى بمعجزات الانبياء ولفظ معجزة من وضع رجال الدين ولا وجود له فى النص التوراتى ولا فى الانجيل ولا فى القران فهو اصطلاحهم ويفهم منه عجز الخلق عن ان ياتوا بما جاءت به الرسل وانهم جاءوا بتلك الايات للدلالة على صدقهم.

بيد ان الاقتصار على هذا التفسير للمعجزات فيه جناية على الطرح الدينى فالغاية الاهم ليست جعل الناس يصدقونهم بل يصدقونهم من خلال قدرتهم على التحكم بالموجودات واذعان الطبيعيه لهم فالدين يحمل هذة الرساله الموجهة للخلق ومفادها ان اختيارهم الذاتى يجعلهم عرضة للهلاك وان اختيار لله يجعلهم يتحكمون بالموجودات ويحركونها كيف شاءوا وان الدليل على ذلك هو ما يمكن ان يقوم به الرسل. وكل مخلوق غيرهم يقدر على ان يفعل فعلهم اذا كان ارتباطه بالله كارتباطهم ولذلك قال المسيح :

((من امن بى يعمل هو ايضا الاعمال التى اعملها انا بل يعمل اعظم منها ))- يوحنا 14/12.

      ولم يكن ارتباط الانسان بالقوى الكونية عند الرسل فى النص الدينى خاصا بهذة القوى بل ربطو الظواهر الاجتماعية بسلوك الانسان واختيارة

      

واختيارة فالغلاء وتقلب الاسعار والزواج والطلاق قد ارتبط بالسلوك.

      وفى المرحلة التالية ربطوا السلوك بالنتائج الكلية كانواع الزروع وجودة الثمار والانجاب وظهور العاهات المستديمة والامراض المزمنة كل ذلك ربطة الرسل بالسلوك على طريقة : اذا فعلتم كذا وقع كذا.

وفى المرحلة الثالثة : ربطو السلوك بالنظامين السياسى والاجتماعي فالفئات والاختلاف والحروب والفتن والمظالم ونسبة تحقيق العدل ومعدل الجريمة وظهور الطغاة بشكل دورى كل ذلك ربطة الرسل وعلى نفس الطريقة :

اذا فعلتم كذا فانه سيكون كذا .

      وفى المرحلة العليا قاموا بربط السلوك بالنظام الكونى نفسة فعدد الخسوفات القمرية ومعدلات كسوف الشمس وكمية الامطار، والكسوف الكلى للشمس وظهور الاعاصير وعذوبة المياة الجوفيه وخصوبة الارض والزلازل والفيضان والنيازك وظهور المذنبات وشدة الحر والصقيع ونمو معدل الجراد الفاتك بالمزروعات كل ذلك ربطه الرسل بالسلوك وعلى نفس الطريقة اذا فعلتم كذا فتوقعوا حصول كذا.

      هذه النصوص الدينيه مثبوتة بالمئات فى الكتب المنزله وفى اقوال الرسل فاخبرنى من الناس قام بدراسة تلك النصوص لاكتشاف قوانين العلاقة التى صممها لله منذ بدء خلقة الانسان بين الانسان والطبيعيه ؟ اهم علماء الدين الذين لا يمنحون اجازة الا لمن يمر بفترة غسيل دماغ لغوى ونصى لنصوصهم وقواعدهم التى وضعوها مع حواشيها وشروحها بحيث ان النص الرسالى او المنزل لا يؤتى به الا للاستشهاد على صحة او خطا قواعدهم والبحث حولها والجدل الذى لا ينتهى بشانها بحيث انعكس الامر تماما فاصبح النص الالهى لخدمة افكارهم ، بينما يعتقد العامه انهم قائمون على خدمته. 

      ام هم علماء اهل الكتاب الذين يعقدون الاجتماعات منذ القرن الثانى او الثالث الميلادى لايضاح العلاقة الغامضة بين الاب والابن والروح القدس فيستمر استقلال الكنائس بعضها عن بعض وانفصالها بناء على الاحتمالات التي لا تنتهى عن انبثاق الروح عن الابن او الابن عن الروح او الروح عن كليهما او عدم الانبثاق او الولادة او الصدور بحيث اذا ابتكر احدهم اى تعبير جديد للعلاقة ظهرت كنيسة جديدة ؟؟

      ام هم الذين اختصوا بالحقول العلمية التجريبيه ومن تابعهم فى الاتجاهات الثقافية الذين عاملوا النص الدينى كنص غيبى ميتفيزيقى لا يمكن اخضاعة للدراسة والبحث العلمى المجرد من كل غرض ذاتى ؟

      وحينما ينهار هذا الحاجز بين الذاتية والموضوع عندما ينكشف سر الاشياء وتبتلى سرائر الخلق فلن يكون يوم الحساب يوما يجرى فيه اى حساب يذكر للاختصاصات فالجميع يحضرون عراة من كل لبوس ويومئذ لن ينفع علماء الدين زعمهم انهم كانوا يجهلون العلل الطبيعية لانهم لم يكونوا علماء فى الطبيعة ولن ينفع علماء الطبيعة زعمهم انهم لم ينتبهوا للعلاقة لبعدهم عن النصوص الدينيه اذ لم يكونوا علماء دين !!

      وستكون الحجة قائمة على الجميع لسبب بسيط وواضح فالنص الدينى المكتوب هو الوجة الاخر للنص المادى المخلوق فيقال لهولاء هذا كتاب لله ويقال لهولاء هذا كتاب لله ، هذا كتاب كلمات مبينات ومفصلات وهذا كتاب مخلوقات مبينات مفصلات .

      لقد داب الاثاريون على تسمية قصة الطوفان بالاسطورة حتى بات ذلك جزء من اسم الحدث ((اسطورة الطوفان)) لقد ذكر هوك في كتابه (اساطير بلاد ما بين النهرين) ان المعلومات المتعلقة بالحدث ضئيلة جدا بل وعموم اساطير السومريين حيث قال :

      ((وينبغى ان نتذكر بان معلوماتنا عن السومريين واساطيرهم ليست تامة وان كثيرا من الكلمات فى اللغة السومرية ذات معان غير متحققة واضافة الى ذلك فان بعض الالواح مكسورة ويصعب جدا قراءتها ))/20

من الكلمات فى اللغة السومرية ذات معان غير متحققة واضافة الى ذلك فان بعض الالواح مكسورة ويصعب جدا قراءتها))/20

      ان لفظ اسطورة ينبىء بوضوح تام عن لا واقعية الحدث المذكور فيها والسوال هو كيف يمكن الجمع بين لفظ الاسطورة وبين الاعتراف بضالة المعلومات عن الحدث؟ فالذى يسمى حدثا ما او احداثا انها اساطير لابد ان تكون لة معلومات كافية لاثبات لا واقعيتها … ام ان عدم توفر المعلومات الكافية بشان حدث ما يعنى دوما عدم صحة الحدث؟

      من حسن الحظ ان هذة الطريقة لم يستعملها علماء الفيزياء والفلك والاحياء والكيمياء والا لكانت ضالة المعلومات ستجعلهم ينكرون وجود شىء اسمه الجاذبية اوالفيروس او الجينات او البوزترون ولكانت قد توقفت تلك العلوم بل لماتت في مهدها فى هدها كما هى ميتة الان العلوم الانسانية بفضل غرائب الباحثين.

      لكن كلامه مع ذلك يناقضة (يوس) وهو يقول : ان اسطورة هلاك الجنس البشرى بالطوفان قد وجدت باشكال وصورة وبمختلف الطرق فى كل جزء من اجزاء العالم / اساطير-18 لا تحسب ان يوسز يخالفه فى كونها اسطورة بل سماها اسطورة ايضا بالرغم من تواتر ورودها بمختلف الصور والاشكال – لان للعلماء طريقتان فى انكار الوقائع تذكران معا رغم تناقضهما : الاولى قلة المعلوات والاخرى كثرة القائلين بها.

      فكثرة القائلين بواقعة معينة لا يبرهن عندهم على صحتها بل على العكس يدل على وجود رغبة نفسية معينة فى تصديق قضية وهمية لدى عموم الناس وبالتالى تظهربتلك الأشكال والصور المختلفة.

      فكيف اذن تقوم الادله على تصديق واقعة معينة؟ اذا كان الاخبار عنها من مؤرخ واحد لا يفى بالمطلوب واجماع اهل الارض على ذكر الواقعة هو الآخر لا يفى بالمطلوب ؟

      هل المطلوب هو الادلة الماديه العلمية مثلا- القائمه والباقية كاثار فى الارض؟ لنقل نعم : لكن المؤرخ القديم غير مطالب علميا ومنطقيا بغير ذكر الخبر فالادلة المادية الشاخصة هى من واجبات الباحث المعاصر فقط فالموءرخ القديم قام بواجبة تجاة الخليقة ونقل الخبر واثاره واثبته فى سجلاتة وفصل به بين مرحلتين وتحدث عنه فى قصصه وملاحمه وادبة ولم يظهر منه اى تقصير فى ذلك.

      اذن فالادلة العلميه الاخرى التى تساند الواقعة او تنفيها كقرائن للاثبات او النفى هى من واجبات الباحث المعاصر.

      فلماذا اطلق الباحث المعاصر عليها اسم الاساطير قبل اتمام البحث وقبل اكتمال الادلة وهل يدل ذلك على وفائه العلمى للموءرخ القديم ؟ بل لماذا استهجن الباحث المعاصر ما قام به (السير وولى) عندما اجرى حفرياتة فى بلاد ما بين النهرين فى سبعة مناطق وجد فيها طبقة من الغرين تثبت على نحو ما حصول الطوفان ورفض متابعة ابحاثة الاخرون بعد ان عاجلتة المنية وبسرعة بعد هذة الحفريات ؟ زاعمين ان نتائج السير وولى لا ينبغى الاهتمام بها ؟ وكما سياتيك قريبا.

      هل يخضع الباحث المعاصر الى مواقف مسبقة تجاه قضية الطوفان تجعلة يطلق عليها الاسطورة ويصر على موقفه فى عدم حاجته للادلة سواء تلك التى تثبت انها اسطورة بالفعل او تلك التى تثبت وقوعها اميل الىالاعتقاد بان الجواب على هذا السؤال هو نعم . وبالتالى فان الباحث المعاصر يحتاج الى تحليل نفسى اكثر من حاجة الامم السالفة التى ذكرت الواقعه فحينما اكتشفت رموز الملحمة لاول مرة وعثرفيها على قصة الطوفان احدثت محاضرة الاستاذ( جورج سمث) فى اجتماع جمعية اثأر الكتاب المقدس فى سنة 1872 احدثت ضجة يمكن القول انها انتهت بتاجيج الصراع بين المؤسسة الثقافية ومؤسسة الدينة.

      فالمؤسسة الثقافيه لا تعتبر ورود القصة فى الكتب المقدسة قرينة دالة على صحتها بل فسرتة على العكس من ذلك، وهذا واضح فان المؤسسة الثقافية تمتلك موقفا سلبيا مسبقا من النص الدينى برمتة. وهنا تكمن العقده النفسية للباحث المعاصر، وهو وحده الذى يفسرلنا سبب تجاهل الادله الكثيرة جدا عن الواقعة، بحيث بات اطلاق الاسطورة عليها قبل ذكرتلك الموارد اشبة بالضرورة التى لابد منها لتقديم المعلومات عنها للقارى الذى يخشى عليه من تصديق تلك الادلة.

يقول طة باقر :

      (( لقد كان حدثا بلغ من عظم الاثر والجسامة عند سكان وادى الرافدين بحيث ان جامعى اثبات السلالات ومؤلفى القصص والاساطير جعلوه حدا فاصلا بين عهدين متميزين فى تاريخ البلاد عهد ما قبل الطوفان وعهد ما بعد الطوفان وهو يضاهى ما تواضع عليه المؤرخون المححدثون من تقسيم التاريخ البشرى العام الى العصور القديمة والعصور الحديثة ))/ المقدمة 299/ ط اذن فالنص الدينى الذى اكد الواقعة يبدو وكانه هو السبب النفسى الوحيد الذى يقف حائلا دون تصديقها ، اذ تصديقها يعنى تصديق ما جاءت به الكتب المقدسة ولذلك فسروا ورودها في الكتاب المقدس بنقل العبرانيين لها عن ارض وادى الرافدين.

      بيد ان ذلك لا يفسر لنا ورودها فى القران الكريم الا بتلك الدعوى القديمة وهى اخذها عن اهل الكتاب المقدس.

      لكننا نتساءل ما هى المبررات العلمية لتكذيب الكتب المنزلة ؟

      الواقع انه ليس من شىء يدعونا لتصديق الباحثين وتكذيب النص المقدس ذلك لان الباحثين لم يخبرونا مطلقا بشىء جديد. كل ما اخبرونا به هو مطابق لما ذكرة مجمع مكة بقيادة ابى سفيان وعتبة وامية بن خلف واضرابهم حينما قالوا للنبي (ص) وهو يخبرهـم 

      بوقائع تاريخية : اساطيرالاولين اكتتبها فهى تملى علية بكرة واصيلا 5 / 25 فهذا القول قديم وهذا التفسير للواقعة من انها اسطورة قضية قديمة تساوى وياللاسف فيها منطق الباحث المعاصر مع منطق هولاء الجهلة الذين يمثل تفسيرهم رايا اعتباطيا وجوابا كيديا منتزعا من اهوائهم بغير علم ولا ادله مادية. فنحن لا نسمع من الباحث المعاصر غير جمل معممة هى ترديد لما قالة امية بن خلف من قبل فزعمهم القائل :

      ان العبرانيين قد استعاروا هذه الاسطورة التى كانت تشكل تراثا ثابتا لدى سكان وادى الرافدين على حد ما زعمه جورج رو فى (العراق القديم)- ص/161، يناقض قولهم السابق فى وجود هذة الواقعة بمختلف الصور والاشكال فى كل بقاع الارض بغض النظر عن نقل بعضهم عن بعضهم فالتركيز على نقل العبرانيين وحدهم دون سواهم يظهر مكمن العقدة النفسية للباحثين من النص الدينى خصوصا.

      واذا كان جورج رو قد تناقض هنا بهذه الصورة فان تناقضه بصدد الادلة المادية اكثر امعانا فى ظهور عقدته النفسية من الكتاب المقدس فقط ذكر ان الكشف عن طبقات الغرين الاحمر بثخن بزهاء احد عشر قدما هو اكتشاف السير وولى وحده قال :

      (لم ياخذ احد من العلماء بجد كبير هذا الاكتشاف سوى وولى نفسة - /162 وعزى سبب ذلك الى احدا لم يتابع ابحاثة فهو(الوحيد الذى فعل ذلك )- / 162 ولكنه ذكر بعد صفحة واحدة قائلا :

(( يمكن الاستنتاج بان الحفريات لم تقدم الدليل القاطع على حصول الطوفان ))

      ترى من اين ياتى الدليل اذا كان البحث قد توقف عند اول دليل مكتشف وتم اهمالة؟ ولكن لنفترض انه يقول الحق فاذا كانت الحفريات لم تقدم دليلا قاطعا على حصولة فانها بالتاكيد لم تقدم دليلا قاطعا على عدم حصوله ! ااا 

      والمفروض فى العلم ان تبقى الاحتمالات مفتوحة للبحث ووصف الواقعة بالاسطورة وتكذيبها قبل ظهور الادلة النافية عمل لا يتصف بالصفة العلمية. لكن رو اعجبه ان يمضى قدما فهو يفضل ان يعطى لنا تفسيرا خاليا من اى دليل لنختارة بدلا عن التفسير الذى يحمل مبرراتة. وهذا العمل لا يقوم به الا من لا قدرة لة على اجراء البحث بموضوعية ونزاهة فقد زعم ان :

(( الطوفان محض اسطورة اخترعها الشعوب البدائية كى تمحو شريحة مجهولة من الماضى))- /163.

      لكن عبارة روهذه حسب اعتقادى هى اكثر صعوبة فى قبولها من الطوفان نفسة وتحتاج الى تفسير وادلة ازيد مما يحتاجه الطوفان !!

      فلماذا اخترعتها جميع الشعوب وكيف حدث هذا الاتفاق على هذا الاختراع العجيب ؟ ولماذا ارادت الشعوب محو هذه الشريحة من الماضى وما هى الكارثة الاخلاقية او العلمية التى اقترفتها الشعوب فى الماضى السحيق بحيث انها احتاجت الى اسدال الستارعلى تاريخها برمتة حياء من جورج رو ؟ وذلك عد السوال الصعب كيف اصبحت تلك الشريحة مجهولة فعلا اذا كان الطوفان اسطورة فاننا بالفعل لا نمتلك اية وثائق مسجلة الا تلك التى ذكر كتابها انهم كتبوها بعد الطوفان.

      وبالطبع فان هذا هو اهم الادلة المادية التى لم ينتبه ولم ينبه عليها احد من الباحثين. ولكن لو لم يوجد اى اثر مطلقا يدل على الطوفان واى سبب اخر يدعونا للاعتقاد بوقوعة سوى اخبار النبى (ص) بهفهل نكذبه وفق منطق العلم ؟ كلا بل نصدقه والسبب واضح وبسيط ولا يحتاج الى معجزات فان عتبه ابن ربيعه وامية ابن خلف قالوا اسطورة النبي (ص) قال انها واقعة حقيقية ولذلك فنحن نصدقة ونكذبهم لانهم شهدوا له بالصدق وشهد عليهم بالكذب والتكذيب.

      لقد اطلقوا علية صفة الصدق حتى بعد اعلانه عن دينه الجديد بل وخافوا من صدقة اما هو فاطلق عليهم صفة الكذب وسماهم الكذبين والكاذبين، وقد اثبت كذبهم فى استقراء علمى للحوادث المتكررة مثلما اثبت صدقة بهذا الاستقراء المستمر للحوادث.

      لقد اقروا بصدقه الى درجة بان احدهم هددة قائلا : لاقتلنك يا محمد فاجابة قائلا : بل انا الذى ساقتلك ان شاء لله وحينما حانت فرصة لانفراده فى المعركة – معركة احد فيما بعد – اذ انسحب الى سفح الجبل جريحا عند هزيمة المسلمين اراد الرجل تنفيذ وعده فلاحق محمدا الى سفح الجبل.

وحينما راه النبى مقدما علية استل حربة من اقرب رجل انسحب معه وكرر اجعا الية فالتقيا وقبل ان يحاول الوصول الى النبى استثنى وتراجع موليا فى للحظة التى هوى فيها النبي بالحربة عليه فلم يصبة الا بخدش يسير.

      بيد ان الرجل اصبح مسخرة لابى سفيان وقومه حينما تحرك الجيش بعد ساعات راجعا الى ديارهم فى مكة.

      فقد كان الرجل يدعى انه مقتول لا محالة ويقسم بالايمان المغلظة انه ميت عن قريب وكان ابو سفيان والقوم يتضاحكون ويسخرون من عقله قائلين : جن الرجل ولله . يا هذا ولله ما اصابك محمد فى بدنك ولكن فى عقلك فهل سمعت رجلا مات من خدش فقال الرجل : لقد قال لى فى مكة انا الذى اقتلك ولله ما اراه الا قاتلى فانه اذا قال صدق !! وفى نص اخر انه قال : لو فال لى اقتلك ثم بصق على لقتلنى فانه ما قال شيا الا صدق فيه. ثم مات الرجل على بعد فرسخين . سيقول البعض ان الرجل مات موتا نفسيا ولم يمت من الخدش لاعتقاده ان محمدا ما قال شئيا الا صدق.

      وانا اشهد ايضا انه لم يمت من الخدش وانه مات موتا نفسيا من صدق محمد، فاتونى برجل يقتل الناس بصدقه لا بالسيوف. ولا بالقنابل فاى صدق اذن هذا الذى يقتل الخلق به؟ 

وانى لى بتكذيب رجل اذا كذبته قتلنى؟ وهل هناك اكثر حمقا ممن يدعونى لتصديق الكاذب وتكذيب الصادق الذى يقر خصمه بصدقه

      هذا هو موقف الذين انكروا الواقعة، فماذا كانت مواقف الآخرين ؟ لقد وجد بعض الباحثين ان تكذيب قصة الطوفان ليس من الحكمة بعد اكتشاف (وولى) لطبقة الغرين السميكة جدا . فادعى بعضهم ان الطوفان قد وقع فعلا وما هو الا فيضان اكبر واشد من الفيضانات المعتادة لكن هذا التفسير مخالف للنصوص التى ارادو تصديقها على نحو ما والادلة التى لم يرغبوا فى اهمالها. فالنصوص لم تقل انه فيضان مدمر لا عهد لهم به بل قالو هو طوفان وهو اسم مختلف لم يطلق الا على تلك الواقعة ويعنون به ذلك الحادث الذى بلغ به ارتفاع الماء قمم بعض جبال العراق. 

      واعتقد باقران تفسير الطوفان لم يعد عسيرا حينما قال :

(( اما سبب الطوفان فلا يعسرعلى المرء ادراكة فى ارض مثل السهل الرسوبى من العراق الذى كان معرضا فى جميع عهود التاريخ الى خطر الفيضانات ))- الملحمة / 47.

      صحيح ان طة باقر اقر بحدوث طوفان وانه كان حقيقيا وانه كان طوفانا واحدا عظيم الاثر فى ذاكرة الاجيال كما فى المقدمة من تاريخ الجضارات / 300، ولكن تفسيره بالفيضان ليس كما قال (لا يعسر على المرء) بل يعسر جدا حينما نريد ان ناخذ بالمسلمات الثابتة عند الباحثين ومنهم باقر نفسة والتى يظهر منها النفى القاطع لإمكانية حدوث فيضان من هذا النوع بسبب من الثبات النسبى للمناخ بكل تفاصيله.

      ذلك انهم اكدوا وبشكل مستمرومكرر فى المؤلف الواحد ان مناخ العراق لم يتغير بصورة جذرية منذ فترة لا تقل فى كل الاحوال عن ثمانية الاف سنة لدراسة العراق القديم.

      قال جورج رو وهو فى بداية وصف طبيعة العراق :

((ان الوصف التالى سيتركز على عراق اليوم حيث يمكننا طبعا استخدامه فى وصف العراق القديم)).

      وعزا سبب هذه الامكانية الى ما نصه :

(( فى الوقت الذى نلاحظ فيه ان الانهار فى اقسام من البلاد لم تعد تسير فى نفس الاتجاة القديم ما ادى الى تحول مناطق تتميز بالخصوبة الى بوار، والعكس صحيح، الا اننا نلاحظ ان الهيئة العامة للجبال والسهول والوديان بقيت كما هى دون ان يطرا عليها تغير واضح ولو قارنا النباتات والحيوانات المعاصرة والقديمة اضافة الى الشواهد الجيولوجية والارصادية لوجدنا تقلبات المناخ عبر الستة او ثمانية الاف سنة الماضية كانت طفيفة بحيث يمكن تجاهلها علميا)) / العراق القديم - 20

      وإذا كان الأمر كذلك فما اشد التناقض اذن أين فرضية حدوث فيضان مرعب كهذا وبين الثبات النسبى للجبال والمناخ والكائنات وبالطبع يحاول الباحثون ايجاد مخرج لحل وسط يؤمن الاعتراف بوقوع الحادثه مع عدم الاعتراف بصدق الكتب المقدسة وهيهات يتم لهم بذلك فهذا هو المحال بعينه لان كتاب لله في خلقه وفى كلامة انما هو كتاب واحد.

      ولذلك كانت فرضية الفيضان الكبير متناقضة مع مسلمات اخرى اثبتت كبديهيات تاريخية منها شحة مناسيب الامطار، والسيطرة التى سماها رو بالمدهشة للعراقيين على الفيضان ومنها ثبوت مواعيد الفيضان ومنها فترة الجفاف.

      وفى كل واحدة من هذة المسلمات تناقض واضح مع افتراض ما لتفسير الطوفان .

      فقد ذهب آخرون الى ان الطوفان المذكور هو خليط من الأمطار والفيضان . ومن الواضح انهم غضبوا انفسهم على هذا التفسير الذى يذكر الامطار لانه سيكون تصديقا لجزء من مصدر مياة الواقعة فى النص القرانى اا 

والمؤلفة من شطرين مياه الارض الجوفية والامطار الغزيرة :

(( ففتحنا ابواب السماء بماء منهم - وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على امرقد قدر وحملناه على ذات الواح ودسر))- 11-13/54

      لكن هطول الامطار بهذة الغزارة هو شىء غير معتاد وفق المعلومات العامة من مناخ العراق الذى لم يتغير منذ الالاف السنين. فقد ذكر جورج رو شحة الامطار فى العراق منذ اقدم العصور.

قال :

(( يتسم مناخ العراق كونه شبة استوائى تصل درجات الحرارة فيه الى 50 م صيفا ويقل معدل سقوط المطر فيه عن العشر بوصات فى الشتاء لذلك تعتمد الزراعة اعتمادا كليا على الرى خاصة فى الوسط والجنوب ))26 فمن اين ياتى الامطار الغزيرة مع شحة الامطار كقانون اذا كان المناخ لا يتغير خلال ثمانية الاف سنة ؟

      اما الفيضان فلم يكن أمراً غريبا على العراقى ليكون بهذه الضخامة التى صورتها النصوص القديمة بل علاوة على ذلك كان العراقى يعده مصدر خير اذ يجلب الطمى والخصب للارض واعتمد على نفسة فى مواجهته والانتفاع منه فى آن واحد … وكان ثباتة الزمنى عاملا مهما لكى يتهيأ له كل عام. قال

(( تنحصر فترة فيضان النهرين مجتمعين فى وقت واحد يقع بين شهرى نيسان وحزيران ومن المدهش ان تجد سكان وادى الرافدين القدماء قد استطاعوا اخضاع انهارهم لسيطرة مستديمة خصوصا اذا عرفنا ان الفرات ظل محتفظا بنفس مسارة تقريبا ثلاثة الاف سنة متواصلة - اى فى ذلك العهد – مارا بسبار وبابل وشروباك واوروك ولارسا واور ) /25 راينا ان طة باقر فسره بالفيضان. ولكنه عاد فى موضع آخر ففسر الطوفان بالأمطار الغزيرة.

      واعتبر هذا التفسير معقولا خاصة : 

((مع حدوث عصر ممطر فى الشرق الأدنى فى عصور

 

 
 

 

عصور ما قبل التاريخ )) 301 – المقدمة.

      والظاهر انه نسى انه وصف هذه العصور نفسها بالجفاف فى نفس الكاتب ص /15 حيث شرح مشكلة الاستيطان فقال :

(( اما بالنسبة للنتائج الحضارية فان حلول فترة الجفاف فى الشرق الادنى جعلت من المتعذر اعتماد الانسان فى قوتة على صيد الحيوان كما كان سائدا فى العصر الحجرى القديم فاهتدى في بقعة ما من الشرق الى انتاج الزراعة وتدجين الحيوان خاصة فى شمال العراق فى العصر الحجرى الحديث ))15

      وذكر وصفا مشابها لنفس الفترة فى موضع اسبق / ص14/ حيث قال :

      ((كان يحدث ابان العصورالجليدية الاوربية فترة امطار غزيرة يقابل هذة الفترات فى انحاء الشرق الادنى فترات يسودها الجفاف ونحن الان فى عصر جفاف اى فى الفترة الجليدية الاخيرة التى اعقبت العصر الجليدى الرابع))14- المقدمة

      ومعلوم ان العصر الجليدى الرابع ودوره الاخير المسمى (بلا يستوسين) هو العصر الذى تميز بكثرة الطمى الذى كون الدلتا فى السهل الرسوبى واوائلة متقدمة جدا على نفس عملية الاستيطان، بحيث امتدت فترة الجفاف لتشمل كل الاحتمالات الممكنة لحادثة الطوفان حسب هذا التقسيم.

      فالطوفان المذكور حسب النصوص القديمة يقع بحدود4000 سنة ق.م فى دور العبيد وهو ما ذكره هباقر عن تقديرات وولى فى القدمة /300

      وذكر اخرون منهم د. سامى الاحمد فى ترجمتة للنص الاكدى من الملحمة ان الطوفان :

((اما اسطورة مبتدعة صرفة او ذكريات عن طوفان حدث فى العهود الماضية ما قبل التاريخية تنتج عن ذوبان الثلوج فى العصر الجليدي)) /22 وذكر ان الدليل على ذلك هو ارتفاع مناسيب مياة البحر الى ما يقرب من خمسين 

خمسين مترا فوق المستوى الحالى. واشار الى انه اخذ هذه المعلومات عن كتاب لمؤلف اسمه (جورج روكس) المسمى (ancint araq) لسنة 1964. وهو بنفسة (جورج رو) فيا للعجب اما اسطورة محضة او صرفة واما مياه الثلوج وقد يحسب انه هنا ادلى براى ذى حسبان. بالطبع فنحن مختلفون فى ذلك فهى اما اسطورة صرفة او حقيقة، ولكنها ان كانت حقيقة فستكون بعيدة كل البعد عن مياة الثلوج. لان مياه الثلوج وهى على الجبال التركية والعراقية لن يكون له معنى سوى الفيضان فيحسب انه اذا غير العبارة من فيضان المياه ثلوج حلت المشكلة الى الابد مع بقاء الاحتمال فى كونها أسطورة لكني اتساءل لماذا دوما اما اسطورة او فيضان؟ ولا يمكن ابدا ان يكون هو الطوفان؟ انى لارى ما لا ترون . انى الارى شبح محمد فى لفظ الطوفان وشبح امية بن خلف فى لفظ الفيضان والا فما هذا الهوس الجنونى بامية بن خلف وروكس؟ والفرار والذعر من لفظ الطوفان؟

      فتعال نفكر بنظرية روكس العجيبة عن زيادة ماء البحر خمسين مترا فوق مستواة العادى من جراء مياة الثلوج

فمن اين تجىء الثلوج اليست تاتى من مياه البحر؟ فمن اين جاءت الزيادة من خارج الغلاف الغازى للكرة الارضية ؟ ام من باطن الارض من المياة الجوفية والتى يستحيل خروجها الا بانخفاض مفاجىء ومهول للضغط الجوى فى المنطقه، فاذا عاد الضغط عادت المياة الى باطن الارض.

      ان العلم يقرر ان المياة في الطبيعة بنسبة ثابتة ودوما ! ان الماء ثابت النسبة مثل الهواء ومكوناته كل ما فى الامر انه يتحول من حالة الى حالة ومن موضع الى موضع فى دورة مستمرة .. وذلك هو من ابجدية علوم الطبيعة. والتوازن الموجود فى الماء لا يختلف عن حالة التوازن لجميع انواع المادة والطاقة بل قانون النسبة الثابته حكم المادة كلها والطاقة كلها بقانون يدرسة الطلاب فى المراحل الاولى هو (قانون حفظ المادة والطاقة ) ومن جهلة فكانه لا يعلم شئيا عن علوم الطبيعه على الاطلاق . من جهة اخرى افترض الاحمد ان يكون الطفان المذكور هو احد عدة فيضانات مسجلة تاريخيا .

 

والطاقة كلها بقانون يدرس الطلاب فى المراحل الاولى هو(قانون حفظ المادة والطاقة) ومن جهلة فكانه لا يعلم شئيا عن علوم الطبيعه على الاطلاق. من جهة اخرى افترض الاحمد ان يكون الطفان المذكور هو احد عدة فيضانات مسجلة تاريخيا.

      ولكنه لم يسمها فيضانات وانما طوفانات حيث وردت فى بعض الوثائق واتى ارتفاعها حسب التسلسل : كيش الاول وكيش الثانى بارتفاع (40) سم، وشروباك برتفاع (60) سم، واور وبارتفاع (72) سم، وجمدة نصر بارتفاع غير مسجل / ترجمة الملحمة -23.

      لكن هذه التي ذكرها ما هى الا الفيضان الموسمى للنهرين والذى لابد للمرء من ان يجد له ذكرا فى وثائق الدول، بما فى ذلك العصر الحالى حيث تجد مكاتبات الدولة العراقية بشان الفيضان الموسمى فى الاعوام القليلة السابقة . فما هى علاقتة بالطوفان السابق على دول المدن وعصر فجر السلالات، ام يحسب ان تسمية الفيضان بالطوفان ستحل المشكلة تماما مثل المقترح الاول الذى سمى فيه الطوفان فيضانا وهل تفسر تلك الفيضانات الطوفان المذكور؟

      وهل يعتقد ان السكان هلكوا فى مستوى من الماء يبلغ 60سم ؟ وهل كان قول الباحثين بسيطرة العراقيين القدماء على الفيضان السنوى مجرد اكذوبة؟ لقد قال باقر :

((ان وولى عثر فى حفرياتة على طبقة غرين بثخن يبلغ زهاء 11 قدما فى كيش - شروباك لجش وهى تفصل مابين دور حجدة نصر وعصر فجر السلالات الاول ولذلك ذهب المرحوم وولى الى ان الطوفان المذكور ووقع فى دور العبيد بحدود 4000 سنة ق.م - تاريخ الحضارات / 300 والمطلوب هو تفسير الطوفان المأثور وطبقة الغرين تلك وبقية الاثار عنه وليس والمطلوب الاشارة الى الفيضان العادى الموسمى المعلوم لجميع الباحثين والمسجل تاريخيا.

لم يكتف الاحمد بمصائب تفسيرات القوم الغرباء حتى جاءنا باحتمالات اغرب واعجب .

      فما عسى ان يكون مقدار ما يرسبة 72 سم من الماء الاحمر حتى لو استمر عدة اسابيع ؟ اننا نعلم ان المتر المكعب من ماء الفرات الشديد الحمرة لن يرسب اكثر من نصف ملم عند الركود.

      وباستمرار تدفق المياة عدة اسابيع ستبلغ طبقة الغرين عدة سنتمترات او انجات مهما بالغ المرء فى وصف الفيضان ولن تصل فى كل الاحوال الى احد عشر قدما !

      ان هذا السمك يحتاج الى ارتفاع للماء لا يقل عن الفى متر– لا مجرد كمية فقط بل لابد ان يكون ثجاجا ينصب انصبابا شديدا او متفجرا من باطن الارض ويقوم باذابة التربة لتكوين طبقة بهذا السمك وهو امر سيكون مروعا ومهلكا للكائنات بكل تاكيد. لقد كذبت الملحمة بنفسها جميع تلك الاحتمالات حينما اعتذر(ايا) عن فعل الطوفان وألقى باللائمه على انليل)

      وقد راينا تلك الرموز الدالة دلالة واضحة على ان الطوفان الذى ذكرتة الملحمة لم يكن شئيا معهودا ولا فيضانا عظيما عارما فالعراقى يفرق جيدا بين ما يفعلة ايا وما يفعلة انليل ! انليل الذى اذا فعل شيا فلن تكون هنالك اى قوة لصدة، ولن يكون هناك اى اجراء يمكن ان يتخذ لتخفيف الصدمة ما لم يكن سابقا على الموعد المقرر باشارة من ايا كما راينا فى الرموز– وكما راينا فعلة فى اور حيث استمر الشعب ينوح نواحا مستمر.

      اننا لا نشك بوقوع الطوفان ولا نطلب من الباحثين تأويلا له بقدرما نطلب ان يتعاملوا بموضوعية تامة مع معطيات اختصاصاتهم فعليهم ان يرسو على حل واحد وفكرة محددة بشان المعطيات نفسها ! هل كان العصر عصر جفاف ام عصر امطار؟. عليهم ان يعلموا ان القارى ذكى اكثر مما كانوا يتصورون فهو لا يقبل ان يكون عصر جفاف لتفسير الاستيطان ويكون 

      

ويكون عصرا ممطرا لتفسير الطوفان وان المتلقى يحفظ عليهم ما يقولون.

      نحن لا نشك بوقوع الطوفان لان النص الدينى اخبرنا بالقضيتين فى ان واحد، قضيه الطوفان وتكذيب الاكثرية بها … فتكذيبهم للقصة القرانية التوراتية لا يدفعنا للتشكيك بها كما ظنوا بل على العكس فهو بالنسبة للمتلقى النزيه دليل على صدق القضية الثانية اى الطوفان لانه ذكر تكذيب الاكثرية للقصة عقيب سردها كما فى مورد الشعراء من القران الكريم (( كذبت قوم نوح المرسلين – قال رب ان قومى كذبون- فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من المؤمنين – فانجيناه ومن معه فى الفلك المشحون – ثم اغرقنا بعد الباقين ان فى ذلك لأية وما كان اكثرهم مؤمنين- 105- 121 / الشعراء

      وحينما نريد تفسير الطوفان باكتشاف علتة الطبيعيه الاولى فان النص القرانى يساعدنا على هذا الكشف وان قلت المعطيات المادية والادلة الاثارية المتوفرة او انعدمت.

      فقد ربط النص امر الطوفان بواقعة اخرى سابقة على الطوفان نفسه وهى فوران التنور.

((فاذا جاء امرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين))27/23

      صحيح ان التفسير القائم للاية لا يعطى اضافة جديدة اذا يزعم انه تنور الخبز اذا خرج منه الماء فهو علامة على حدوث الطوفان ، بيد اننا لا نلتزم بهذا التفسير ولا نجد مبررا عقليا ولا شرعيا ولا لغويا للالتزام بة بعد ان امر النص القرانى بضرورة التدبر فى النص ووصف الذين لا يتدبرون بالعمى والضلال ، ونبه الى وجود من يحاول تاويله ابتغاء الفتنة ولتضليل الخلق عن المعلومات التى يذكرها لله فى علاقة الانسان بالطبيعة.

      ان القبول بالتفسير القائم والمتداول هو تسليم بالامر بالواقع وقبول للانقياد اذا كان من المتدين، فان لله لا يحب المتدين الا عمى اذا هو

والضال عنده سواء بسواء لانة يعبد لله على حرف حسب ما وصفه النص القراني :

      (( يعبد لله على حرف فان اصابه خير اطمان به وان اصابته فتنه انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة 21/22 وهذا القبول ونتائجة حينما يكون من المتدين اما من غيره فليس سوى اعراض وصدور يتسم بالانانية والصدود عن الحقائق - فهو يختار بعضها دون بعض ويذعن لبعض المعطيات المادية دون المعطيات المذكورة فى كلام لله… وكان السموات والارض وما فيها ليست هى الاخرى من معطيات الله فهو فناد لسخرية العارفين بعلاقات الاشياء بعضها ببعض ليس من لضرورى اذن ان اكون ملتزما بتاويل اجتهادى للنص من غير تمحيص وتحليل وبرهان.

      فالنص القرانى لا يمكن ان يعطى اشارة لنوح على بدء الطوفان من هذا النوع فان هطول المطر وتفجر اول ينبوع من اى موضع هو نفسه علامه على بدء الطوفان فلماذا يحدده بتنورالخبز؟ ولماذا لا يحدد لة علامة اخرى غير هذه بل لماذا لا يحدد له الوقت نفسة ساعة كذا من يوم كذا فهل يجلس نوح ليل نهار يراقب تنور الخبز من ذا يقبل بهذا التاويل الساذج الذى لا يتناسب مع بلاغة العبارة وقوتها اللغوية وشدة وقع جرسها ؟ وعدا ذلك فانها تخالف لغة القران واسلوبه ونظامه بل تخالف الاستعمال العربي للفوران فالعرب لا تطلق هذا اللفظ على الماء قديما وانما تطلق مفردة الغليان والانبجاس والتفجر وما شابة ولفظ فار ومشتقاته انما يطلق على ما هو متاجج بالحرارة كالنار والغضب وما شابه وقد استعملة القران فى ثلاثة مواضع فقط اثنان منها لفوران التنور- موضوع البحث - والاخر الواضح جدا استعملة لوصف جهنم من حيث هى نار واذا استعمل مع الماء فانه يدل وان لم اجد له شاهدا واحد غير الاستعمال العامى العراقى المعاصر– يدل على بلوغ الماء درجة الغليان. بيد ان النص لا يقول فار الماء من

من التنور وانما فار التنور نفسة من حيث هو تنور مشتق من النار. ولذلك فان هذا التنورهو السبب المباشر لحدوث الطوفان من الناحية الطبيعية فهو اذن بركان كبير يفور تلقائيا اذ نسب الفوران لة (فارالتنور). وتدعم هذا التفسير عدة مؤيدات : الاول استعمال القران الكريم له لوصف النار كما ذكرنا ((اذا القوا فيها سمعوا لها شهيقا وهى تفور))7 / 67

      والمعلوم ان ارجاع للفظ الى ستعماله النصى (فى النص نفسة ) اصح من ارجاعة الى اى مصدر اخر مع وجود مورد واضح للاستعمال. بل اكدو بانفسهم ان منهج تفسير القران بالقران هو افضل المناهج .

الثاني : تؤكد هذا المعنى حركات الاصوات فى منهجنا وليس هذا موضع ايضاح للفظ فليراجع القارى الفاضل عنه التعاقب ( فور) من موجز كتاب (للغة الموحدة)

      الثالث : ارتباط اللفظ بالامر الصادر بالبدء بالطوفان . فمجىء الاول يحتم اولا فوران التنور بينما اذا كان اذا كان القصود خروج الماء اصبحت العبارة (جاء امرنا) زائدة لانها تصبح نفس خروج الماء – لان الامر هو امر الطوفان وخروج الماء لا يعنى شئيا سوى البدء بالطوفان .

      بينما الامر يختلف اذا كان التنور بركانا . فالامر بحدوث الطوفان يستلزم البدء بفوران بركان يتبعه تحقق وقوع الأمر بالطوفان.

      الرابع : يحتاج نوح الى وقت لاركاب الازواج المجتمعة لدية من الكائنات وجماعتة والبدء بخروج الماء مع الامر (اسلك فيها من كل زوجين) لا يعطيه الوقت الكافى لذلك، بينما تفجر البركان يعطيه وقتا واسعا لتنفيذ الامر الآخر (اسلك) حددت الملحمة هذا الوقت من الغروب الى الفجر كما سياتى قريبا كما حدده نص للامام علي (ع) من/ لليل الى مطلع الشمس.

      الخامس: ان هذا الافتراض هو الوحيد الذى

الذى يفسر لنا حدوث الطوفان علميا اذا اردنا معرفة السبب المشترك للمطر المنهمر ولتفجر الارض بالعيون فى ان واحد وهو ما تذكرة سورة القمر :

(( ففتحنا ابواب السماء بماء منهمر وفجرنا الارض عيونا))

      ذلك اننا نحتاج من الناحية العلمية الى التسليم بحصول انخفاض فى الضغط الجوى بدرجة كبيرة غير معهودة فى المنطقة. فهذا الانخفاض فى الضغط هو الذى يجعل السحب فى السماء تجتمع بالرياح المتوجهة الى المنطقة لمعادلة الضغط الجوى.

      وهو امر معهود سابقا لكنه لم يكن مفسرا علميا فالناس يلاحظون دوما دفء الطقس قبل هطول الأمطار.

      وتعليله الفيزيائى معلوم فان الحرارة توسع المسافة بين جزيئات الهواء ويصبح اقل كثافه مما هو عليه فيقل الضغط وعندما تتحرك الرياح باتجاه المنطقه الاكثر انخفاظا في الضغط ، وفى نفس الوقت لابد من هذا الانخفاض الكبير جدا لكى تتفجر الينابيع من الارض حيث يصبح الضغط الداخلى للمياة الجوفية اكبر من الضغط الجوى الخارجى .

      الا ترى ان النزيف من الانف يحدث فى حالتين- حالة ارتفاع ضغط الدم او عند الطيارين فى الاجواء العاليه جدا بسبب انخفاض الضغط الجوى كلما ازداد الارتفاع لكن لسبب فى الحالتين هو نفس السبب فهو فى الاصل واحد وهو زيادة الضغط الداخلى على الخارجى الجوى.

      السادس : ذكر القران ان قوم نوح كانوا يسخرون منه وهذا اللفظ اى السخرية استعمله القران بشكل عام عن مجموع الرسل ولكنه ذكرة مع نوح وجده بشكل ملفت للنظر، حيث تكرر اربع مرات فى أية واحدة فلم يذكر رسول معين بالاسم سخر منه قومه سوى نوح . نعم ذكر بالاسم رسل آخرون مع لفظ الاستهزاء وهو مختلف عن السخرية.

وقد دل التفريق بين اللفظين على ان الاستهزاء اذا بلغ ان يكون على صاحب الموضوع نفسة تحول الى سخرية منه– واذا بقى بالموضوع فقط فهو استهزاء.

      وكان نوح قد اجابهم قائلا :

((ان تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون)) 38/11

 لقد كان يعدهم بالطوفان وكان يصنع الفلك امام اعينهم وكانوا يسخرون منه ولكن سخريته منهم بالمقابل لا تتحقق لا بفعل معين يفعلونه كما يفعل هو صناعة الفلك ذلك لان السخرية كما قلنا ليست استهزاء بالموضوع من حيث هو فكرة وانما بصاحبها من حيث ياتى افعالا ما، ولذلك لم ترد السخرية فى القران الا مع الاشخاص عند قيامهم بافعال معينة اما الاستهزاء فيحدث من الاشياء كالدين والافكار والعقائد. ويمكن مراجعة هذه التفاصيل فى سلسة النظام القرانى.

      اذن لابد ان يقوموا بفعل معين يكونوا فيه مثارا للسخرية وهذا الفعل يتحقق عند هروبهم من البركان حيث يتاكد لديهم ان نوح كان كاذبا من حيث وعدهم بالغرق بالماء بينما الذى وقع هو نقيضة تماما- ظهور نار وهنا تتحقق السخرية بصورتها الكاملة من حيث انهم لا يعلمون ان هذه النار ستكون السبب الطبيعي المباشر لحدوث الطوفان.

السابع : عثورنا على بعض النصوص التى تؤكد هذا الفرض ومن تلك النصوص ما ينفى ان تكون عبارة فار التنور خاصة بتنور الخبز ومنها ما فى الملحمة البابلية.

      فمن النصوص الدالة على ذلك هذان الحديثان :

      الحديث الاول : بحذف الاسناد الاعمش عن علي بن ابى طالب(ع) فى معنى وفارالتنور قال :

((اما ولله ما هو تنور خبز ثم اومأ بيده الى الشمس فقال طلوعها)).

      فلك ان تعجب من اصرارالمفسرين واجماعهم

واجماعهم على تفسير الفوران بخروج الماء من التنور مع قسم الأمام علي (ع) انه ليس تنور الخبز ونفية له وربطه بالشمس وطلوعها ومن يدرى لعله اشار الى الشمس فى محاولة لافهامهم انه تنور.. مشتق من النار ذاتى الاتقاد كالشمس. ورد الحديث فى كتاب السمرقندى /7- والعياشى / 147- والبحار ج 5/93

      لكن ارتباط الواقعة بالشمس واضح جدا فى النص البابلى وذلك عند قول اوتونوبشتم وهو يقص لجلجامش حديث الطوفان :

((وجعل الرب شمش الي وقتا (موعدا محددا) فولجت السفينة واغلقت بابى / وسلمت القياد للملاح بوزر امورى / اعطية الهيكل وما يحويه من متاع / ولما ظهرت انوارالسحر/ علت من الافق غمامة ظلماء.

      وبهذا تتفق الملحمة مع الحديث ومع النص القراني في كون الوقت موسع منذ دخول السفينة لحين البدء بالطوفان فالموعد المحدد في السطر الاول عاد ذكره في قوله (انوار السحر) التي علت الافق في السطر الاخير وعلى ذلك فان طلوع الشمس كان هو الموعد هو الموعد المحدد اذن فنحن نقرأ هذا السطر بالمقلوب اذا ليس هو الرب الذي اسمه شمش بل الموعد مرتبط بشمش الذي هو الشمس والسطر الاصلي هو(جعل الرب الي الشمس موعدا) وليست (جعل الرب شمش لي موعدا) وأما حرفيا حسب النص فالجملة هي :

اداننا ايلو اوتو ايشكونا مما موعد الرب شمش جعلها الي ان لفظ اد اننا صفة بمعنى محدد واوتوا : الشمس. وايشكو نام : جعل وما : ضمير المتكلم المفرد ولا ينتج من الجملة الا ما ذكرناه فان لفظ موعد لا وجود له في النص وانما الفعل وقع علية وعلى الشمس والناتج ان الرب جعل الشمس حدا له وهو مطلع الشمس بينما على ترجمتهم لا يظهر الموعد المحدد اصلا وسبب ذلك انهم اعتقدوا بترادف اوتو مع شمش الرب. مع اني اشك في ربوبيه ايضا اذا كثيرا ما حدثت اضافة لفظ رب الى الاشياء فظن 

المترجمون انها ارباب كما يحدث في العربية تقول رب البيت، ورب السماء، ورب الارض ... الخ فحسب المترجمون ان هذه اسماء للارباب المتعددين والدليل المؤكد على خطا هذه الترجمة من جهة اخرى اختلال السياق بالكامل، لقد كان الذي يكلم نوحا في تلك اللحظة هو(ايا) الذي لاحظنا رمزيته سابقا فكيف تغيرالحديث ليكون على لسان شمش، لقد انتبه طه باقر الى هذا التحول المفاجى في الحديث ولذلك قال (هل يعني ادخال شمش في هذا السطر)(بدلا من ايا) وجود نص ثان للملحمة اقول بل يعني وجود ترتيب اخر وترجمة اخرى للجملة التي ترجمة بصورة غير دقيقة فالبيت قراءته تقع صحيحة اذا كانت لفظة شمش مفعولا ثانيا لجعل الذي لابد ان ياخذ مفعولين وليست اسما للرب ومن المروريات المؤكدة على ان التنورشيء مرتبط بالنار ما ذكره صاحب كتاب البرهان عن علي ابن ابي طالب (ع) ايضا ونصة مشابة لما مضى مع اختلاف هو((واوما. الى الشمس فقال الصبح ))- نفس الصادر السابقة وهذا دليل آخر هو اكثر على ان المعد هو ظهور الشمس عند الصباح ولذلك اكده اوتو نوبتشم في الملحمة بقوله لكلكامش

(( ولما ظهرت انوار السحر(( علت من الافق غمامة ظلماء فالغمامة اول ما ظهرت عند الفجر وبعد مدة يسيرة بالطبع بدا هطول الماء فهذه العبارة تفسر البيت المذكور أيضا بنفس الطريقة الثامن : ان العبارة القرانية تبدو وكانها بقيت بنفسها كاسم يطلق على منطقة اوتو– نوبشم فان موقع البطل هو(تل فارة) ولا يحتاج هذه الاسم الا الى تغير على عادة البابليين في تقديم المضاف اليهاو الصفة اى ان (فار التنور) هو مقلوب (تنور فارة) بالتحريك على بناء الفعل على الفتح فاضافوا الهاء لاعتقادهم بالها بينما ( فار) الفعل الماضي ذلك ان العراقي القديم كان غالبا ما يقدم الاسم على الفعل فنحن اليوم نترجم عبادته الأصلية مثل(جلجامش قال) الى العبارة العربية (قال جلجامش) وعليه من المحتمل جدا ااا

 

 

 

ان تكون (تل فارة) عبارة او اسم مشتق اصلا مما ذكره القران (فار التنور) ويبقى ان ما يؤكد هذه الفرضية هو العثور على احجار بركانية في المنطقة وقد اخبرني احد الاصدقاء بعثور الجيولوجيين على احجار بركانية في المنطقة (تل فارة) ولكنني لم استطع التاكد من ذلك من مصدر علمي مسجل اذ الم نحاول اصلا مثل هذه المحاولة ولعل ذلك الدليل موجود لديهم.

      التاسع : وقد يدل على حدوث البركان من جهة اخرى ما ذكرته الملحمة عن حصول مطر غريب النوع قبل البدا بالطوفان– لا علاقة له بالماء فقد ترجم هذا المطر المتساقط الى لفظي (حمص وحنطة) والى (حنطة) فقط في بعض التراجم كما ورد تساقط الطيور والاسماك وقد تكون هذه الالفاظ بعد ان وضع عليها الشراح علامات الاستفهام للاشارة الى مجهوليتها قد تكون دالة على تساقط حبات الرماد وقطع الخبث والحديد المحترق من البركان عادة والتي يرمي بها البركان الى مسافات بعيدة والذي يقوي هذا الاحتمال ان للفظ المستعمل لهذة الاشياء يفيد من وجة اخرى في معني الهلاك فقد قال باقر :

استعمل الكاتب هنا التورية من كلمتيين بابليتيين هما كاباتي kabati وكوكي kukku واللتيين تعنيان معنى مزدوجا اما الطعام او الهلاك ))/-125 وكان باقر قد ترجم هذا السطر الى :

في المساء سيمطركم الموكل بالزوابع بمطرمن (قمح) اما الاحمد فقد اضاف الحنطة الى الحمص في الترجمة فقال

43. سوف يسقط عليكم مطرا كثيرا

44. طيورا متخفية واسماكا

45. حصادا وافرا  

46. حمصا عند الفجر

      ولكن البيت (44) والذي يحدد خصائص هذا المطر الغريب مخروم وفيه مفردات مفقودة وقد اعاد شبايزر المفردات وعاد الترجمة على النحو الآتي

47. احسن انواع الطيور اكثر الاسماك ندرة /473 وهذا يعني ان هناك تشبيها للأجسام اا 

      

بحبات الحنطة المتساقطة بحبات الحنطة والحمص والطيور والأسماك لان اشكالها مختلفة وهي داكنة اللون سوداء قاتمة فالابيات من كلام نوح (وهو يسخر منهم كما يسخرون).

      من المحتمل ان تكون(الغمامة السوداء المظلمة) التي عند السحر هي غمامة دخان البركان وهي قبيل الموعد النهائي للبدء بالطوفان والمحدد بطلوع الشمس.

      ومن جملة السطور التي فيها تورية وغرضها السخرية منهم البيت (45) والذي اعاد (سبايزر) بدقة حينما قال في ترجمته :

48. وسوف تمتلى الارض كليا من وفرة الحصاد انه بالطبع حصاد موتى الكائنات والناس، لكن البيت (46) اختلف كليا عند الباحث (هايل) فقد ترجمه الى عبارة

49. في الماء قائد العاصفة.

ولكن لفظ هذا البيت هو

50.(اينايشير)– كداككي.

      وعندئذ لن يكون لفظ كوكي بمعنى حمص او حنطة او هلاك كما هو عند باقرولا حمص او ظلم عند الاحمد بل طلائع العاصفة او الزوبعة وهكذا نرى ان المترجمين يتصرفون بالالفاظ ومعانيها بحسب ما يرونه مناسبا لتكونين عبارة منسجمة مع النص بكامله وبالتالي لا تعتبرترجمتهم ترجمه بمعنى المفردة بل قراءة للنص ايضا تغير دلالتة تغيير كاملا .

ونامل بعد هذا التوضيح ان يقوم الباحثون باعادة النظر في مجل الفاظ الملحمة اخذين بنظر الاعتبار هذه الرويا وبقية النصوص الدينية باعتبارها جزء من المعطيات الهامة عن القصة وان لا تكون نظرتهم المسبقة للعراق القديم عاملا مؤثرا في قراءة موضوعية للنصوص. خاصة في هذا الزمن الذي لا نعيش فيه اسطورة الطوفان ولكن من المؤكد اننا نعيش فيه طوفان الأسطورة.

   

الطوفان بوصفه حدثاً ثقافياً  

قراءة في قصة نوح والطوفان 

  عامـر عـبد زيــد

      

مدخل :

      في هذه الوقفة نحاول أن نعرض القراءة التوراتية للطوفان بوصفه حدثا أدراميا ـ ثقافيا، نظرا لما تركه من أثار في لحمة الفكر العالمي (1) وليست ألتوراتي حسب، فهو يمثل صدى لذلك الحدث الأول، وانه طبيعي يمثل فاعلا طبيعيا سواء كان كامنا في الطبيعة كما يعلل الماديون أم مفروضا على الطبيعة كما يقول اللاهوتيون والميتافيزيقيون الذين يفترضون للكون غاية خلق لها. أما كونه حدثا ثقافيا فهذا يعني آثاره الرمزية في ذاكرة الشعوب عبر ميراثها الجمعي أدب وفن يمثلان تلك التعليلات التي يرد بها كشف أسباب الطوفان واعد البعض الطوفان حدثا فاصلا (بين عهدين الأول أسطوري والثاني تاريخي)(2)

      ونحن نتعامل مع الطوفان بوصفه حدثا ثقافيا أي مدونة نصية تعكس موقف الناس من الطوفان وتعليلاتهم له وأساليبهم في تجنب تكراره، وما تركته من آثار.

 وهذا يظهر بوضوح في تلك المدونات النصية التواراتية والنصوص السابقة لها أو التي جسدت موقفا دينيا وثقافيا إزاء ذلك الحدث والذي أعدته حدثا بدئيا يمثل خلقا جديدا ويمثل تأسيسا ثقافيا جديدا ومعطى لشرعية الاستيلاء على الأرض وكما تقول مرسيا الياد : أن أفعال البشر لا تخضع للتلقائية المحضة ، أن معنى هذه الأفعال وقيمتها لا يرتبطان بمعطيات الفيزيقية الخام، بل بما هي إعادة لفعل بدني، وتكرار لمثال. فالأبطال كانوا قدسوها في البدء في ذلك الزمان فيغدو الفعل لا معنى له ألا أن يكون إعادة لفعل بدئي (3) وبهذا يغدو التغيرالذي جاء بعد الطوفان حدثا بدئيا قدسيا بامتياز.

أ ـ المتن الحكائي للطوفان ألتوراتي :

1ـ ملخص المتن الحكائي ألتوراتي

      وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله أو بنات الناس إنهن حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا، فقال الرب لا يدين روحي في مئـة ااا

وعشرون سنة كان في الأرض طغاة في تلك الأيام، وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا. أربعين يوما وأربعين ليلة.

      وعندما انسدت ينابيع الغمر وطاقات السماء فامتنع المطر من السماء ورجعت المياه عن الأرض رجوعا متواليا وبعد مئة وخمسين يوما نقصت المياه واستقر الفلك في الشهر السابع (4) في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال اراراط وكانت المياه تنقص نقصا متواليا إلى الشهر العاشر حيث ظهرت رؤوس الجبال.

 وبعد إرساله للحمامة جاء الأمر الإلهي قائلا (اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك ،وكل الحيوانات التي معك. (5) نزل نوح بعد أن طلب منه اله هو ومن معه وبنى مذبحا للرب واخذ من كل البهائم الظاهرة ومن كل الطيور الطاهرة واصعد محرقته على المذبح فتنسم الرب رائحة الرضاء وقال الرب في قلبه لا أعود العن الأرض (6) أيضا من اجل الإنسان لان تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته* ولا أعود أيضا أميت كل حي كما فعلت) وبعد ذلك بورك نوح وأولاده وقال لهم أثمروا وأكثروا واملاوا الأرض، وابتدأ، لانوح بالفلاحة وغرس كرما (7).

(أ) غضب الهي على البشر، ويظهر هذا الغضب بالطوفان سواء كان مطرا أو مياه جوفية.

(ب) اختيار لبطل القصه، وهو النبي نوح (ع) وهو منتجب مكلف لأنه كان رجلا بارا.

(ج) التكليف لنوح ببناء سفينة لإنقاذ عائلته وأولاده وزوجته وزوجات أولاده، والحيوانات، ومن ثم إنقاذ الحياة على الأرض.

(د) القصة تقدم توصيفا لنشوء البشرية في أبناء نوح وهي توزع البركة على ((يافت)) و((سام)) وتحرم أخاهم الثالث ((حام)).

3ـ نسيج البنية السردية :

 أن النسيج الذي يقوم الراوي المفارق بسرد الطوفان إلى فعل مفارق خارج الطبيعة، والدافع لهذا الفعل هو دافع أخلاقي، قائم على جذور

جذور ميثولوجية قديمة نستشفها في ظهور (الجبابرة) وهي تسمية لأنصاف الآلهة عند الفكر الميثولوجي، والتوراة هنا تقدمه من خلال الزواج بين بنات البشروأبناء الله.

      والسبب الثاني للطوفان تكاثر البشر وفي قلوبهم الشر، وهذا أيضا يحيل إلى الغضب الذي ظهر في التصورات الميثولوجية كما هو الحال في الصراع بين (تعامة) مردوخ).

      إما السبب الثالث والذي يؤكد قربه من البعد التوحيدي والأخلاقي هو انتشار الظلم والفساد بين البشر على الأرض وهذا دافع للثورة الأخلاقية الاجتماعية.

      الراوي .. يحاول أن يجعل من الدافع الأخلاقي سببا للتغير الكوني، أي انه ينطلق من بعد غائي يجعل من الكون تجسيدا لغاية إلهية وان للبشر غاية تقوم على الإيمان والخضوع لله ،وهو أمر تقوم عليه النظرة اللاهوتية ، ولها جذور أولى تجعل من البشر مهمة القيام بالعمل والخضوع للإرادة الإلهية.

      فان الراوي يقوم هذا السرد معبرا عن تلك الرؤية الكونية التي يجعل من الدين سلطتها الفاعلة ومن السلطة الدينية الناطقة باسم الرب والتمييل الرسمي لإرادة الرب.

      ثم أن الراوي يمارس عملية تعليل كوني في فضل اليهود على سواهم ويعتمد الراوي على فعل خلقي ( ابتدأ نوح فلاحا وغرس كرما وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه، فأبصر(حام) أبو كنعان عورة أبيه واخبر أخويه خارجا/فاخذ (سام) و(يافت) الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير فقال ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لاخوته، وقال مبارك الرب اله (سام) وليكن (كنعان) عبدا لهم، ليفتح الله ليا فت فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبد لهم)(8) حيث الراوي يجعل من هذه الحادثة التي يقوم بها (حام) أبو كنعان لعنة على (كنعان) دون ذكر(حام) ومباركة لـ (سام) بشكل مباشر وهذه الإضافة التي يقدمها الراوي تقوم على توظيف عرقي يجعل من العنصر السامي العنصر المضل

      

المفضل وهكذا يمضي الراوي المفارق (ورأى الرب وقال الرب) وكان الطوفان وبارك الله نوحا، وعاش نوح أفعال ماضية يتم بها استعادة فعل ماضي وتوظيفه في رأسمال رمزي للجماعة فهو يقدم تعليلا لظهور الأشياء عبر تفسير أفعال الطبيعية وتقديم تصور متعال لتقدم العنصر السامي ـ اليهودي على غير، عبر السرد، كما يقول شتراوس : أن كل إشارة في الحكاية هي إحالة إلى شكل من أشكال الحياة المجتمعيه، وهي انعكاس لواقع موضوعي يفترض به أن يكون موجودا فيما مضى (9).

ب ـ وظائف السرد :

 من الوظائف التي يمكن أن تبين أهمية السرد في بناء وتأسيس الذاكرة الجمعية التي يمارس من خلالها الإنسان إعادة بناء الأحداث بهدف خدمة الحاضر عبر تقديم تأويل وتفسيرات لحدث ماضي في خدمة حدث حاضر يمارس عملية توحيد الجماعة حول معنى ، يتم خلاله إعادة امتلاك الرأسمال الرمزي للآخرين وتأويله في خدمة الجماعة الجديدة، وعلى هذا يمكن أن نلتمس الوظائف التالية :

1ـ وظائف بنائية : أن الرواي يحاول إقامة بناء نص عبر السرد لأحداث متباعدة : الطوفان، النشوء بعد الطوفان طبيعة الشعوب، يحاول أن يخلق بين هذه الإبعاد الكونية علاقة من خلال حدث يقوم به (الله) ويختار(نوح) لهذه المهمة فيحاول الراوي بناء صورة كونية من خلال التشخيص والسرد للأحداث التي مرت بغربلة طويلة وإضافات حتى تبدو بهذا الشكل بناء كونيا يتصف باللاهوتية . 

2ـ وظيفة أبلاغية: فان الراوي من خلال هذه القصة يحاول إبلاغ الناس المحتفين في الكنيسة أو القراء للتوراة عبر الزمن، يحاول أن يقدم أحداثا كونية حدثت في البدايات عقاب على خطيئة وتفضيل للشعب على باقي الشعوب فهي بذلك تعتمد الإبلاغ بما سبق وقوعه عند بداية الأزمنة .

      يحقق أمرين الأول منهم :

فـ انه يحاول أن يؤسس للاختلاف مع الآخرين، ويحدث هذا عبر الحكاية التي تريد التأسيس لقداسة العرق اليهودي ودنس باقي العناصر ايايدا روا 

والكنعاني على وجه الخصوص، فهو بهذا يؤشر إلى أزمة عنف متبادل الطرفين (12) وهذا ما يشير أليه (جان بوتيرو) : عن حزقيال فموضوعة المفضل هو التركيزعلى تاريخ شعبة غير الأخلاقي بحيث يصور ماضيه بوصفه سلسلة من الخيانات والاهمالات فهو القائل (لقد ازدريت أقداسي ودنست سبوتي ورجال نميمة كانوا فيك لسفك الدم وفيك أكلوا على الجبال وفي ربطك صنعوا الفجور من كشف سوءة أبيه ….(13) انه يحاول أن يجعل من الطوفان حدثا بدئيا أعاد الكون إلى لحظة البداية وبالتالي تحويل الأرض إلى عماء ثم محي القديم ومنح الأرض والشعوب الناجية تكوين جديد ( أن إقليم يصار إلى احتلاله بغرض سكناه أو استعماله ( مجالا حيويا ) قد يحول ، أولا وقبل كل شيء من العماء (( chaos)) (الذي عقب الطوفان) إلى الكون (cosmos) أي انه يقبل الطقس قد منح ( الشكل ) الذي يصيره (حقيقيا) ومن الواضح إن الحقيقة تتجلى في العقلية القديمة، قوة وفاعلية وديمومة)(15) وهي أيضا تظهر أنها تقدم استراتيجية التحبيك فهي الرغبة الدفينة لدى الإنسان في عرض تاريخه وهويته في حبكة سردية متماسكة ونقية بحيث يعطي لوجود معنى ولتاريخ قيمة، وهو يجعل إلهويات والأمم عبارة عن إطار متخيل أو حدود متخيلة تتشكل بواسطة أدوات السرد والتخيل (16).

3- وظيفة اعتبارية : وهي عقبة ممكن أن تقدم في المعبد إلى اليهود يتم بها الاعتبار من الخطيئة التي استوجبت العقاب، أي الطوفان وهي تدفع الناس إلى التمسك بالعهد والخضوع للكهنوت، والخطيئة الثانية التي أكدت رفعة العرق السامي على باقي العناصر. أنهم يؤكدون معنى معين لتاريخ حيث يشير إلى أحداث وقعت قام بها أناس محددون في أوقات محددة أنها أزمان بدئية ويتناول هذه الأحداث أناس محددون مختلفون عن بعضهم في سلم القيم الاجتماعية ويمكن أن يكون بينهم صراع فهؤلاء يقدمون تفسيرات لإحداث البدئية لإسباغ الشرعية على وجودهم اليوم وصراعهم مع غيرهم يحاولون تطويب الماضي في خدمة صراعهم مع غيرهم.

فهذه التأويلات تدفع الناس إلى التمسك بالعهد والخضوع للكهنوت والخطيئه الثانية التي قام بها (حام) وتحمل وزرها كنعان أكدت رفعة العرق السامي على باقي العناصر وهو مكسب نخبوي لليهود.

4- وظيفة تمجيدية : أن الراوي يحاول أن يؤكد أمرين : الأول : تمجيد الفعل الإلهي القائم على أن الإنسان غاية خلقية يقوم على الخضوع للإرادة الإلهية التي تحدث هذا الدمار ثم تؤسس لعهد جديد بعد أربعين يوما من الطوفان.

      الأمر الثاني : تمجيد العنصر السامي على باقي العناصر ويتخذ من خطيئة طقسية وأخلاقية. فهذه الحكاية (وظيفتها تكمن من تثبيت النماذج المثالية لجميع الطقوس والفعاليات البشرية الهامة)(10)

5- وظيفة تاويليه : نلمس أن التأويل بمعناه السردي أحداث تغيرات في متون حكائية سابقة من خلال تحميلها مضامين وإعادة احتلال الرأسمال الرمزي السابق وجعله جزء من المتن الأيديولوجي الجديد.

يقول العهد الجديد في الإصحاح السابع :

(وقال الرب لنوح ادخل السفينة أنت وجميع اهلك فاني إياك رأيت بارا أمامي في هذا الجبل) وتقول أسطورة بابلية ( قوض بيتك وابن سفينة، اهجر ممتلكاتك، وأنج بنفسك، اترك متاعك وأنقذ حياتك، واحمل فيها بذرة كل ذي حياة.

ك أننا نلمس صدى الطوفان في أماكن كثيرة من العالم وهذا ما نلمسه في الحوار النصي بين التوراة والنصوص السومرية والبابلية حيث هناك تناص قوى بين النصوص وهذا يقدم لتصور عن قراءة التوراة لتلك النصوص والحوار معها وتأويلها بشكل يعود بها إلى الأصل الذي يعود إلى الإله الواحد، أنها عبر ذلك الحوار صاغت هويتها الثقافية ونمط تفكيرها وعلاقتها المتعدد بين الطبيعي والإنساني والمطلق، وكما يقول تودوروف كل ما يوجد دائما إنما هو عمل تحويل من نص إلى نص (11) فالخطاب ليس ما يتضمنه النص، بل ما ينتج عن التناص وبالتالي كل نص حاضر يتضمن

روا 

يتضمن نصا (غائبا) بالضرورة والوصول إلى بقية المدلولات الغائبة لا يكون ألا انطلاقا من بنبيه الدوال الحاضرة (12) وهذا يعطينا معنيين الأول التداخل النصي أو ما يسمى التناص علاقة النص الذي يبدو بنيه تتكامل بنصوص أخرى.

      إما المعنى الثاني هو ظل النص أي المسكوت عنه وهو عملية الكشف عنه هي ما تسمى القراءة وهو ما يظهر في قراءتنا إلى حدث الطوفان انه حدث في قراءة أيديولوجية تحيزية وظفت الحدث الطبيعي والمرويات لخدمة جماعة ما عبر صياغتها لذلك التراث القديم صياغة عرفية ألانا / الأخر فالقراءة التي تسعى إليها كشف تلك التحيزات التي أخذت طابعا متعاليا رغم أنها تحريفات بشرية.

      وعلى هذا فإنتاج الخطاب تحكمه أربعة شروط حضور القارئ ووجود النص واستحضار الموروث وتوفر التجربة وهي الأطراف المؤثرة في استراتيجية الحفر في بنية كل خطاب. وهذا ما يمكن ملاحظته في هذه النصوص للمقارنة.

1ـ الطوفان السومري : إن نص الطوفان الذي تم العثور عليه في خرائب مدينة (نفر) السومرية يقدم لنا الخطوط العريضة آلاتية :

1- قرار الهي بدمار الأرض بواسطة طوفان شامل (هبت العاصفة كلها دفعة واحدة) ـ ومعها أندأمت سيول الطوفان فوق (وجه الأرض) ـ ولسبعة أيام وسبع ليال.

2- اختيار واحد من البشرلإنقاذ مجموعة صغيرة من البشر وعدد محدود من الحيوانات (في تلك الأيام زبوسودرا كان ملكا وقيما على المعبد ـ قام بتقديم (قربان ) عظيم وفي النص الآخر البطل زيوسودرا الذي يعني (الذي وضع يده على العمر المديد) فتح زبوسودرا كوة في المركب الكبيرـ تاركا أشعة البطل آتو تدخل منه ـزبوسودرا الملك ـ خر ساجدا أمام أوتوـ ونحر ثورا وقدم ذبيحة من غنم.

3ـ حدوث الطوفان ونجاة المجموعة المختارة في قارب.

4- انتهاء الطوفان واستمرار الحياة من جديد اااااا

 

بواسطة من نجا من الإنسان والحيوان.

3ـ الطوفان البابلي حيث تظهر تأويلات أخرى للنص السومري في العصر البابلي حيث ظهرت ثلاثة نصوص اتسمت بالتقارب من النص الأصلي وهي.

1ـ ملحمة جلجامش

2ـ ملحمة اتراحيس

3ـ نص تيبور

4ـ نص بيردسوس

1ـ أسباب الطوفان : إن الأسباب الأخلاقية هي التي كانت كامنة وراء الطوفان وهو أمر مشترك بين النصوص القديمة والتوراة ( إلا أن النموذج السومري لم يكن القرار فيه جماعيا بدليل أن الآلهة ننترو : تنوح على أولادها البشر ( وانكي ساعد زيوسودرا وكذلك الأمر بالنسبة فأنها تعيد ذات الأحداث في تلويفات جديدة متأثرة بالثقافة البابلية زمانا ومكانا، ولعل أقربها من التوراة النص تيبور . فهذا النص يبدو قريبا إلى النص التوراتي فهو يكسب المخاطبة التي تأخذ الإبلاغ المباشرة عن فعل كوني سوف يقوم به الإله ذاته وليس الآلهة الآخرون، بل هو اله واحد يقرر هذا الأمر ويقرر اختيار رجل من البشر

     البشر لهذه المهمة، فهو نص قريب جدا من التوراة (حيث يقدم لنا أقدم رواية سامية عن الطوفان، يعود إلى الدولة البابلية القديمة، وتم العثورعليه في خرائب مدينة نيبور

سأقوم بأفلات ( المياه)

(…) سوف يأخذ الناس أجمعين

(…) قبل أن يحل الطوفان

(…) سأسبب الخراب والدمار والفناء

(...) فم ببناء السفينة

(…) سيكون من هيكلها

سفينة عظيمة، وسيكون اسمها حافظة الحياة

(…) قم بتغطيتها بغطاء متين

والى السفينة التي صنعت

اجلب وحوش البر وطيور السماء (13)

وقد تجد خطوطا عامة مشتركة هي آلاتية :

للنص البابلي حيث ندمت عشتار وأقام (أيا) بكشف سر الآلهة لـ(أتونا بشتم) ( يعني اسمه الذي رأى الحياة )(14)

2ـ الأعلام عن الطوفان : وسيظهر هذا بواسطة غير مباشرة هي الحلم، ألا انه يأتي بصيغتين الأولى : يقوم بها الإله ذاته إن يحدث الطوفان والثانية فيؤكد فيها انه ينقل خبر عن قرار مجلس الآلهة.

أما التوراة فقد آخذت صيغة الحديث المباشر من خلال ضمير المتكلم لله وقراره بأحداث الطوفان لأسباب أخلاقية (ثم حذر الله نوحا من الطوفان المقبل، فنشر الخبر بين الناس يعظمهم بالتوبة، ألا أن قومه هزؤوا به قائلين :

      وما هو هذا الطوفان؟ لئن كان طوفانا من اللهب ، توقيناه بمادة ألا ليثا (أشبه بالاسبينوس)، ولئن من ماء، فلدينا صفائح من حديد تحول دون تقدمه على اليابسة، أما الماء المنهمر من السماء فنستطيع أن نقيه بظل، ثم حذرهم نوح قائلا (ومع هذا فسيجعل الله المياه تتفجر من تحت أقدامكم، ومن جديد هزؤوا به قائلين (مهما كان أمر هذا الطوفان، فلن يغمر هاماتنا) (15) أما بالنسبة للسفينة يتشابه النموذج العبري مع النموذج البابلي ملحمة جلجامش من حيث إن الرجل المختار ابتنى بعد تحذير الإله له

     سفينة ضخمة مكونة من عدة طوابق وطلها بالقار والقطران حتى لا تتسرب إليها المياه واخل فيها أسرته وحيواناته من كل صنف وذلك الحال في ملحمة اتراحسيس.

      هكذا يظهر الميراث الرمزي والخلقي ذو البعد الديني يقدم تبريرا للإحداث الطبيعية قد أحدثه ثقافة مشتركة انتشرت على مستوى كوني. ألا أنها اصطبغته بالمعيار الثقافي لكل منطقة.  وهذا ما تقدمه الوظيفة التاويلية لهذه الحادثة في الحكاية التوراتية فهي تصطبغ بتلك المعايير المحلية.

جـ - محور الرغبة : أن المحور الذي يمثله بطل الحكاية والذي يتحول إلى منقذ وينقسم الناس بين إعداء يعارضون أهدافه ويقفون دون حصولها وبين مساندين لهذه الإعمال والنوايا التي توجهها فبطل القصة التوراتية هنا هو(نوح) رسول العناية الإلهية التي كلفته بإنقاذ الجنس البشري والكائنات الحية جميعا من خلال اختياره للأزواج منها ( لكل بطل هجرة وانتقال من الطين إلى الألوهية من النسبي والزائل إلى المطلق.انتقال إلى ما هو أسمى وانقطاع عن ماض أو عن واقع إلى أمنيات وحياة أقصى كهجرة البطل تجديد للحياة )(16).

      وبالتالي محور الرغبة يمثله نوح الذي يواجه الطوفان مستعينا بالمعونات التي يقدمها الرب له . ليفصل بين الذين اختارهم الله لعهده وبين الذين خرجوا عن عهده فهم الذين يقع عليهم العذاب فيما نوح بوصفه الجد الذي تنطلق منه سلسلة النسب للعهد الجديد يشكل نقطة الالتقاء الجديدة .

 أي انه بداية تأسيس ثقافة جديدة لها مصاديقها التي تقوم على الفصل بين القديم والجديد وبداية تأسيس تتخذ من بطل مجتبى لهذه المهمة التي تتخذ طابعا كونيا مما يجعل الجماعة ذات أفق كوني ترى العالم من خلال ذاتها باعتبارها مركزا لهذا العالم الذي يشهد انفصال بين ما قبل الجماعة وما بعدها إلا انه سرعان ما يغدو هناك خلاف في الأجداد من تقع عليه أللعنة لأسباب أخلاقية متعالية فهو (حام) أبو كنعان وسام أبو اليهود، هذا يجعل الامر المل

 

     الملعون (كان موجودا من قبل، وكان ينعت بالأجنبي أو بالجار أو بالعدو، فالأخر هو من ليس له الأجداد أنفسهم ولا الآلهة نفسها ولا حتى اللغة نفسها التي لنا )(17).

وهذا أمرد أللعنة في تصور خطيئة حام، وبلبلة اللغات في بابل، كلها تحاول أن تجعل من ألذات اليهودية أن تؤسس للاختلاف عن أعدائها الكنعانيين وتجعلهم خارجة محور الحق وبالتالي إمكانية قتلهم واستباحة دمائهم باعتبارهم نسل الخطيئة التي فرضها الله نتيجة لإعمالهم التي ارتكبها جدهم وهم ورثوها وورثوا الانحراف ، فالقصة هنا تحاول التأسيس إلى وحدة الجماعة اليهودية ، فالقصة بهذا مارست التأسيس للصراع حول الأرض ..

 نعود إلى أن نوح كان يمثل محور الوعي الذي يواجه الطوفان بمعونة الله، الذي أرشده دون سواه ، فالذي يمثل المحور الأول الله الذي أعان نوح وأهل نوح والكائنات المنتقاة من المخلوقات، وبالمقابل المحور الأخر هم المغضوب عليهم من الخارجين على الميثاق الإلهي من البشر وباقي الحيوانات التي تظهر أنها أخذت بذنب البشر وأبيدت معهم لم يبق ألا ما هو مختار وهذا المختار الأكثر منه هو النافع للإنسان على ما هو قليل النفع أو معدوم للإنسان.

           لكن مكان وزمان الحدث بدائيان إذ البدايات النشؤيات حيث حدثت الخطيئة في البدايات الحضارية التي شهدت الخروج على عهد الرب ، أنها حكاية تستعيد حكايات أبطال المدن في العراق القديم حيث أصبح للإنسان دور كبير كما هو حال البطل السومري (زبوسودرا) والذي نسخه البطل البابلي اونونايشم وأعاد امتلاك ميراثه ،وبالتالي السيادة هنا يحاول البطل ألتوراتي الذي يمثل القبائل اليدوية الرجل التي تنعي إسقاط الدنس على تلك المدن المدنسة التي خرجت على عهد الرب يتم استثمار هذه الحكاية في إعادة امتلاك ذلك الميراث الرمزي وبالتالي استعادة التوحيد ـ اليهودي ، الذي أصبح بعد ذلك توحيدا عالميا حيث أعاد إلى تلك التحيزات اليهودية النخبوية وحاول أن يجعل من نوح بطلا نبيا منقذا للبشرية

عامة بأفق أنساني شامل ،وتخلص من تلك التحيزات السامية ضد الحامي ـ كنعاني.

      بمعنى أننا في القصة التوراتية نرى تشويها للقصة لأسباب قومية ضد الآخرين ويعللون ذلك بأسباب أخلاقية تعود إلى أللعنة، حيث تبدأ القصة (وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض) انه في هذه الجملة، نرى حيث البدايات وهي حقب طويلة كان اليهود خلالها شعبا متأخرا في الظهور، استطاعت التوراة إن تعيد قراءة القديم بعيون يهود لإسباغ الشرعية على جماعتهم واسقاط الاكراهات على الخصوم وخصوصا العراقيين( سومرين وبابليين) لأسباب صراعية طويلة وعلى الكنعانيين لأسباب صراعية على الأرض والوجود وشرعنه القتل وعلى هذا فالقصة تعد سببا ثانيا عبر القصة لإقصاء الكنعاني فبعد كشف عري الأب نرى القصة تبرز حدثا سماويا طقوس الحب (وعزل نوح أبناءه عن زوجاتهم ومنعهم من ممارسة نوح أبناءه عن زوجاتهم ومنعهم من ممارسة طقوس الحب لا ينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك والعالم يتعرض إلى دمار كهذا وقضى بان يسري هذا الحظر على الكائنات الأخرى كافة، فاطاع الجميع، باستثناء ابنه حام، وذلك لئلا يدخل في حسبان أخويه سام ويا فت بان الطفل الذي حملته في رحمها كان من نسل شيمهازاي الملاك الساقط ، فسود الله بشر حام (18)

      

      

      ويكفروا 

رحلة الملك كلكامش

      هنا نلاحظ إلصاق تهمة أخرى بـ (حام) وجعل نسبة رمزا للانحراف الأخلاقي اللاشرعي وربط هذا بالكلب الذي مارس الجنس أيضا مع أنثاه، انه إقصاء أيديولوجي يؤثث له القص وبالتالي يؤثث إلى العنف ضد أبناء حام الكنعانيين المنافسين على الأرض.

           أن هذا الحدث الثقافي يتحول إلى قراءة تعبر عن السلطة الرمزية من حيث هي القدرة على الإبانة والإقناع، وإقرار رؤية العالم أو تحويله وان هذه السلطة لا تعمل عملها إلا إذا اعترف بها وهذا يعني أن (السلطة الرمزية لا تتجلى في المنظومات الرمزية في شكل قوة وإنما في كونها تتحدد ببنيه المجال الذي يؤكد فيها الاعتقاد ويعاد إنتاجه أي ما جعل الكلمات لها قوى على حفظ النظام هو الأيمان بمشروعية الكلمات وما ينطق بها وهو أيمان ليس في أمكان الكلمات أن تنتجه وتولده)(19) تغدو كل تلك الحكايات التي تتخذ من اللغة وسيلة ومن السلطه الدينية الشرعية وتوجه رسالة إلى الشعب تحرك فيه رغباته وتعمل على إثارتها والعمل على تعزيز الأيمان بتلك القصص يمنح اللغة ورجالها الشرعية ويكسبهم سلطة على الناس إذ كانت سلطة المعتقد تعتمد ألفاظ تعبوية قائمة على الإبانة الموصلة إلى الإقناع بإمكانية تغير العالم من السلب إلى الإيجاب، من التيه إلى الدولة، من الشتات إلى الكيان، هذا يجعلها ممكنة عبر الاعتراف الشعبي بتلك الرموز وشرعيتها فالرموز تتجسد بالأشخاص ومن الفضاء الحماسي الذي يرافق الموقف.

       وهنا تكمن خطورة تلك القرارات التي يتم استعارتها بشكل أصولي اليوم.

     الأسطورة والشكل

أ.م.د . كاظم نوير

كلية الفنون الجميلة /جامعة بابل

       رؤية مفهوم الأسطورة من منظور انساني ثقافي ليس باليسر كونه مفهوماً ماراً في الدراسات الاكاديمية، وهذه الرؤية لاستهداف تفكيك بنية تتوخى خلع اردية وتجديد امكانيات امساكه وبث روح الديمومة للخلاص من ركوده.

ان توظيف الخيال لامساك حكاية متخيلة تقترب من لعبة نحن نلعبها في السياسة والفن فضلاً عن الجوانب الاخرى من الحياة، مثلما تلعب هذه الحقول او هذه الحياة بالانسان او بنا، في فكرة نسميها ما بعد الحداثة كأفتراض وارض لذلك اللعب. فالانسان (مهما كان او يكن) المعاصر كخالق للاسطورة يبحر بشكل او بأخر في شكلانية صورته المنعكسة في مراياه الوجودية او الذاتية ـ منها نتاجاته الفنية والادبية ، والاخر الكائن في مراياه الوهمية؛ افق خياله ووجوده او صورته الفنية، الجمالية (اشكاله المنتجة والحيوية).

اننا لا نرى الاسطورة الا كقصة انتجها الانسان عصف به اتساع مساحات خياله الخضر، واخضرار خياله / الاسطورة مادة لخداع ذائقتنا، في ابنية من سراب العالم حكائي ينمو ويتشيد في سياقات تتخذ من اوردة ازماننا سلالم لها.

      ان للاسطورة فعالية تلق، فما تولده من علاقات واشكال وابنية شكلية (بصرية) واجتماعية نفسية، يولد قيما بعد اجواء خيالية للمتلقي مثلما هي مناسبة لامتزاج او ذوبان اشكال المتلقي مع اشكال الاسطورة تحولهما الى شكل جديد يعبر عنه بثقافة جديدة. والمناسبة هذه هي تحول للعلاقات والاشكال والابنية والانساق الى اشكال نفسية لا واعية مترسبة وفق طاقة كامنة قابلة النمو والتشييد المستمر لسلوكيات الانسان وثقافته او معرفيته في انشطة مختلفة : اجتماعية، دينية، فنية، جمالية. والفن ومنه الفن التشكيلي، لم ينشط في اساسه التاريخي والانساني، كنتاج فني جمالي خالص، بل انه عد نوع وافقاً ممتداً للاسطورة، او لتلك الطاقة المترسبة على شكل اااا

اهرامات قاعدتها غائرة في اللاوعي ورأسها يمس الوعي مساً خفيفاً. ولذلك فالفن عموماً وبخاصةً فنون العمارة والرسم والنحت والرقص والمسرح ، اشكال لما بعد الاسطورة. أي انها اشكال اسطورية بعدية، ففي كل فعالياتها القرائية والخطابية تحمل في طياتها وصيرورتها سمات الاسطورة واسسها بقراءة ورؤية شكلية، مستلين الشكل من كل ما هو غرائبي ونفسي وخيالي.

      الاسطورة صناعة ومكننة شكلية للخيال، وتعد هذه المكننة الامتداد الما بعدي للذات، والتي لا يمكن لها ان تكون الا بوجود هذا الخيال ـ كمعادل ورمئ، واشارة ووجود ـ فالذات تتطبع به كما يتطبع هو بها، وهو ايضاً الامتداد الذاتي وطريقة العيش المفترض للاشياء والامكنة والازمنة، وهذا الامتداد ينطبق شكلياً في محمولات الاسطورة بأمتدادها (الذاتي) و(الانساني) اثناء عدوها لفرض اوهام معرفيتها في الاشياء او الكون.

ان التلاقي الشكلي الذي نحاول استلاله من الدال او المدلول يدلنا كما يوهمنا الى مساحة اللافرق بينهما، ومساحة ولادة وموت الاسئلة والاجوبة وتناسلهما خيالياً في عالم تسكنه وحشة الاغتراب، وعالم لا يمكنه الا ان يرحب بالوحدة والموت المستمئ، عالم يتلاقى مع قلق يرجو اليفاء، واملاً في التحرر الابدي من قدرية وجوده المحدودة، تلك كانت الاسئلة الاولى التي ارهقت الذات وارهقت ابطال اساطيره وعوالمها الملونة بكائنات لا يحدها حدود واخفاقات الانسان.

      ماذا نستطيع ان نخطط لا شكال ولاسئلة ولصورة الاسطورة ومشاهدها ؟ وكيف نلون تلك المشاهد الطافحة بالجموح والوجدان ؟ كيف سنخطط شكلياً لاسئلة ـ غدرية للانسان؟ ماذا نستطيع ان نخطط لاشكال ولاسئلة ولصورة الاسطورة ومشاهدها ؟ وكيف نلون تلك المشاهد الطافحة بالجموح والوجدان ؟ كيف سنخطط شكلياً لاسئلة ـ غدرية للانسان؟ لماذا انا هنا ؟ من

انا ؟ في كيفيات وجود الانسان المستمر في الهنا ، والهنا عنده افتراض وجود مؤقت : والمؤقت يحتمل الانتقال في شكل او مادة والتوالد المعرفي هذا يكاد هو نفسه يتوالد يتناص شكلي او معرفي مع توالد الحضارات المختلفة، خذ مثلاً التحولات الاسطورية والحضارية في العراق القديم وقارنها بالحضارة المصرية القديمة. وهذا التوالد المعرفي يطفوا في اشكال تتخذ مرة مثالية خالصة ومرة اخرى مادية خالصة، فالمثال الخالص لا يمكن ان يتوالد الا بأسطورة لها اصابع من خيال اثناء نحتها اشكالها المفترضة والمتوهمة.

      الاشكال في الاسطورة تتخذ لنفسها طاقات نفسية وتكوينية في ان واحد، فهي قوية وحادة في دوال غاضبة ومنتصرة، واشكال تتخذ لنفسها الضعف والخسارة وتتلون بدوال الحزن والبهت، فالقوة دوالها تتجه الى الضعف لتهزمه، ونشوة انتصار تخلف حزن الهزيمة، وفي هذا فأن الاسطورة تسقط الذات في شبك ورطتها الانسانية في صراع ابدي، بشرط تفرضه الاسطورة مهما كانت نتائجه ـ فالصراع هنا ما بين الوجود واللاوجود، بين الانتصار ونشوة وقوة الذات / تشكل الاسطورة، وانهزامها وخسارتها وفجائعها / انهزام الذات / تشكل الاسطورة.

      وعلاقات القوة والضعف يشكلان فيما بعد حياة الاسطورة كما يشكلان حياة الذات ـ وللاسطورة كما للذات وحضاراتها وعوالمها، حياة تولد فيها الاشكال قوية ثم تشيخ وتموت ومن ثم تولد بشكل اخر، وهكذا دواليك، كما هي اشكال الرسم او العمارة او الموسيقى او الرواية.

تستطيع الذات بالشكل وحده معرفة نفسها ، وواحدة من اشكالها اذا لم تكن كلها، هي الاسطورة / الوهم، فكانت الاسطورة وعاشت كشكل في مجموعة فضاءات شكلية او واقع مخيل ومتخيل.

      والواقع هذا يخلق من الذات لكي تعيش فيه الذات، كما عاشته الانا الانسانية او خلقة، فالذات تعيش هذا الواقع عندما تعرف نفسها بأشكال وهيئات مختلفة وجديدة، ومن ثم فهذا العالم بصري، تستفز من خلاله الذات امتدادها ااااا

ووجودها المادي فيكون هو قناة للتلقي والقراءة والوجود.

      ان كل اشكال الواقع هي حالة مؤلمة للانسان اذا عيشت واشترك معها في شراكة لوحدتها المادية، وذلك لسطحية مادتيها، او لمادتيها الحسية. والتي لا يمكن النفاذ الى ماهيتها والتخلص من حالتها تلك الا بعودة الذات ـ التي تعيش ـ الى ذاتيتها وتفعيل عناصرها ـ الوعي، اللاوعي، الوجدان، الخيال حرية الارادة وتحفيز نفاذها الى ماهيتها الشكلية (الذات والواقع معاً) ومن ثم لتتمكن من الوصول الى شكل طري شكل ليس له اوفية حدود حادة ، فالاشكال الحسية لها حدود حادة وصلبة للواقع والذات معاً.

      ان الخيال الاسطوري يتسع لاستنفاذ طاقة الباث الحسية عبر تمرد مقصود في كل الصور والاحتمالات والامتدادات الذاتية كما هي في تحولات المجتمعات والحضارات الانسانية، وواحدة من هذه التحولات الكبيرة حدث في عصر النهضة (الاوربية) عندما تولدت اسطورة ووهم وشكل جديد للذات، وهي اشكال العقل ـ بعدما كانت اشكال الوجدان ـ فبدت الاسطورة تتخذ لها تكوينات وصورا تلخص فيه ادوار الانسان وعلاقته الجديدة والمكتشفة مع الكون واشياءه، فالشكل اصبح يتركز بعدولات هذا الاكتشاف او العقل، فالشكل هنا هو العقل وسياقات القوة والسيطرة فيه، ثم في اشكال تنجه الى الذات ووجدانها المنتشي يخلق الاشكال والسيطرة عليها.

فالاسطورة في عصر النهضة اسطورة انتجها العقل التجريبي كما انتجها الانسان المتحرر تواً من قبضة وهم الكنيسة ليترك اشكاله تتغذى من ذلك الوجدان.

      اشكال القوة في الاسطورة الانسانية تتجه دائماً الى التمرد لتتخذ ذلك الوجدان طريقاً لها، ثم فيما بعد تتجه لتكون ثائرة، عدمية، قافزة، رشيقة، لتخلق لها اجواء تدفع خالقيها (الانسان اثناء الخلق واثناء التلقي) الى التمرد، والثورة والعدمية، والمغامرة المستمرة.

الاسطورة الم